الوفاء بوعد الجينوم
آخر تحديث: 2013/7/13 الساعة 15:13 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/7/13 الساعة 15:13 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/6 هـ

الوفاء بوعد الجينوم


يرى أغلب الناس أن الوعد هو في حقيقة الأمر سبب لتوقع شيء ما، أمل راسخ الأساس ولكن دون مبالغة. وهو بهذا المعنى وعد يربط العلم بالمجتمع: إذ إن عامة الناس يثقون في أن التقدم العلمي والتكنولوجي هو المفتاح الأساسي لتوجيه المسار على الطريق إلى عالم أفضل، حيث تعيش أجيال المستقبل حياة أطول، وأكثر صحة وسعادة.

وقد نشأ هذا الوعد قبل أربعمائة عام تقريبا مع إضفاء الطابع المؤسسي على العلم الحديث. فبعد اكتشاف أن الرياضيات يمكن تطبيقها عمليا لفهم العالم المادي الفيزيائي، تحولت مجموعة صغيرة من الفلاسفة الطبيعيين نحو النزعة التجريبية لتحقيق أهداف عملية. وتحت قيادة هذه الأقلية، اجتاحت الثورة العلمية أوروبا، ثم انتشرت في وقت لاحق إلى بقية العالم.

في كتابه "التجديد العظيم" ينقل فرانسيس بيكون، أحد أعظم أنصار العلم الحديث فصاحة، رؤية لعالم جديد، تحوّل عبر الاستقصاء المنهجي للظواهر الطبيعية. فمن خلال محاكاة الطبيعية وتحريفها، يصبح من الممكن كشف أسرارها واستغلالها لتحسين حياة البشر. وكان هدف بيكون العملي الواقعي هو استخدام فهم علمي للأسباب الطبيعية من أجل "إحداث كل شيء ممكن" أو ما يسمى الآن بالإبداع، وهو الوعد الأصلي الذي بذله العلم للمجتمع، كما ساعد في تشكيل نواة عصر التنوير.

وفي حين أن العديد من وعود العلم تحققت بالفعل كالإطالة الهائلة في عمر الإنسان ووقت فراغه وراحته، فإن وعودا أخرى كثيرة لم تتحقق إلا جزئيا، أو لم تتحقق على الإطلاق. ورغم هذا فإن ثقة المجتمع في العلم لم تهتز. ورغم أن أهدافا معينة تغيرت، فإن الاعتقاد السائد بأن المعرفة العلمية تحوّل حياة البشر ظل قويا.
فرانسيس كريك (يمين) وجيمس واطسون مكتشفا بنية الحمض النووي (رويترز)

وعد جديد
واليوم أصبح علم الجينات (الوراثة) المصدر الرئيسي للوعد العلمي الذي يعبر عنه بكلمة جينوم، وتعني المعلومات الوراثية للكائن الحي. فمنذ كشف جيمس د. واطسون وفرانسيس كريك بنية الحمض النووي في عام 1953، تم تحديد كمية هائلة من البيانات الجينية المتاحة، ونشأت أشكال جديدة من التنظيم العلمي وأساليب العمل. ونتيجة لهذا فقد نجح علم الجينات في دفع العلم إلى حافة عصر جديد من التنوير، حيث ينظر إلى الأفراد في إطار العلاقات بين بياناتهم الجينية الفريدة.

وتفرض هذه الحركة -والتي تمثل أحدث تجسيد لسعي لا ينتهي إلى تقدم الإنسانية- تحديات جديدة في العلاقة بين العلم والمجتمع. كما طرح متحف التاريخ الطبيعي على زواره سؤالا استفزازيا في افتتاح معرضه الجيني في عام 2001: "لقد وصلت ثورة الجينوم، فهل أنتم مستعدون؟".

وعلى سبيل المثال، سوف تؤدي هذه الثورة بلا أدنى شك إلى هندسة الحياة من خلال البيولوجيا التركيبية. وعلى نحو مماثل، ساهم علم "التخَلّق" (دراسة التغيرات الموروثة في وظيفة الجينات والتي تحدث دون تغيير في تسلسل الحمض النووي) في إعادة تشكيل المناقشة القديمة التي تضع "الطبيعة في مواجهة الطبيعة"، من خلال تسليط الضوء على الطابع المتعدد الأبعاد للعلاقة بين التنمية البيولوجية والتنمية الاجتماعية.

ثم ساعد الفهم المتزايد للتعديلات التخلقية المتوالية عبر الأجيال، سواء كانت مرتبطة بالتغذية أو الجهاز العصبي، في فتح أكثر من منظور جديد على الخصائص التي يمكن ملاحظتها للكائن الحي، والعوامل التي قد تؤثر عليه. ونتيجة لهذا فقد بات من الواضح الآن أن أساليب حياة الناس لا تخصهم هم أنفسهم فقط.

إعادة رسم الخريطة

الاختبار الحقيقي لأي تطور علمي هو القرب من الخبرة اليومية للبشر (دويتشه فيلله)

وتؤكد هذه التطورات والتساؤلات التي تثيرها، على الحاجة إلى إعادة رسم خريطة العلوم. وتشكل الأجندة البحثية الأكثر تكاملا والتي تتضمن العلوم الاجتماعية أهمية حاسمة لضمان أن تعود منافع وعد الأبحاث الجينية على الجميع.

والواقع أن مثل هذه البحوث تشكل جزءا أصيلا في تحسين العوامل التي تساهم أكثر من غيرها في إثراء أي مجتمع، وهي الصحة والتعليم والأخلاق. والواقع أن المعرفة الأكثر شمولا للجينوم البشري الشخصي من الممكن أن تولد شعورا جديدا بالسمات المشتركة. وبالتوصل إلى فهم أفضل لعلاقات الناس فيما بينهم، والتأثير الذي قد يخلفه أسلوب حياة المرء على صحة أجيال المستقبل، والتأثيرات المدمرة المترتبة على أوجه التفاوت وعدم المساواة القائمة والمخاطر المصاحبة المتمثلة في نشوء انقسام جيني جديد، فيصبح من الممكن إقامة مجتمع أكثر صحة ومساواة.

لكن تحقيق هذه الرؤية يستلزم وضع الاختيارات المختلفة التي يقررها الناس في إطار مجتمع تعددي في الحسبان. ولتحقيق هذه الغاية فإن التعاون من جانب المؤسسات الاجتماعية والعلمية من شأنه أن يساعد في كسر الحواجز اللغوية والثقافية، وضمان قدرة ثورة الجينوم على مساعدة عامة الناس وليس إبعادهم، وبالتالي يجتاز الاختبار الحقيقي لأي تطور علمي: القرب من الخبرة اليومية للبشر. وفي عالم تحيط به أزمات متعددة متداخلة فإن من الأهمية بمكان أن يرى الناس وأن يفهموا ماذا يستطيع علم الوراثة أن يقدم لهم.

عندما سئل رجل الاقتصاد أماريتا سن عن الأمر الذي ينبغي أن يقض مضاجع الناس، أجاب: "كل مأساة يمكن منعها ولا تمنع، وكل ظلم يمكن رفعه ولا يرفع". إن توظيف التقدم العلمي في منع المأساة ورفع الظلم من شأنه أن يحقق الوعد الأساسي للعلم. ومن المؤكد أن تعزيز الدور الذي يلعبه علم الجينات في العالم الحقيقي يشكل خطوة أساسية في هذا الاتجاه.
------------------------------------
* رئيسة المجلس الأوروبي للبحوث، والمؤلفة المشاركة مع جوزيبي تيستا، لكتاب "جينات عارية: إعادة اختراع الإنسان في العصر الجزيئي".

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات