الكتابة حول مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) عملية مشحونة تجعل من الصعوبة أن يخوض فيها أي عالم أو طبيب بشكل محايد كامل أو علمي بحت, إذ تتداخل مع مواضيع أخرى كالسلوك الجنسي للبشر أو النظرة للمرأة وواقعها، وكذلك اختلاف الحضارات والثقافات والقوانين والأديان التي تحكم تصرفات الإنسان على هذه الأرض.

سُجل مرض الإيدز أول مرة عام 1981، وبعدها انطلقت جهود جبارة لفهمه وحل لغزه، وجرت محاولات لعلاجه بأدوية متعددة وتكوين لقاح ناجع ضده، لم تكلل بالنجاح حتى اللحظة.

وتعتبر الإصابة بفيروس الإيدز المعروف باسم "أتش.آي.في" أحدث نوع من الجائحات العالمية بكل المقاييس والمعايير، إذ تسبب حتى الآن في وفاة قرابة 35 مليون إنسان، بينما يعيش حاليا 34 مليون مصاب به على الكرة الأرضية. ورغم تباطؤ انتشاره في مناطق كثيرة من العالم وخصوصا المتقدم منها نتيجة تطبيق تدابير علاجية ووقائية كثيرة، فإنه لا يزال يسري في العالم كالنار في الهشيم، خصوصا في مناطق أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا الشرقية.

أما في الشرق الأوسط فإن نسب الإصابة به قليلة، وإن كان ملاحظا غياب الدراسات والإحصاءات حول الموضوع. كما أن هناك صعوبة في تحديد عمر الإصابة عبر الفحص، إذ تتشابه نتائج فحوصات شخص أصيب به منذ فترة قريبة وبين فحوصات مصاب به منذ مدة طويلة، مما يعقد دراسة انتشار المرض وتقبل الناس لإجراء فحص حوله أو البوح صراحة حول كيفية الإصابة به. ولذلك نجد أحيانا دراسات من منطقتنا العربية تمت على عينات صغيرة وقد لا تكون معبرة عن المجتمع بشكل دقيق.

رسم تقريبي لفيروس "أتش.آي.في" المسبب للإيدز
(الجزيرة)

وينتقل هذا الفيروس عبر ثلاث طرائق رئيسية وهي الاتصال الجنسي واستخدام الحقن الوريدية والانتقال من الأم إلى الجنين أو الوليد.

الشذوذ
ورصد مرض الإيدز بداية في المجتمعات التي يمارس فيها الرجال الجنس مع الرجال في الولايات المتحدة، وتعتبر تلك الممارسة عاملا كبيرا لانتقال المرض. ولكنه أيضا ينتقل عبر اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة، وتعتبر هذا الأخير سببا أكبر لانتشار المرض في العالم وخصوصا في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. كما يوجد ارتباط وثيق بين كثرة العلاقات الجنسية عددا وطرقا وبين انتشار العدوى. ويقلل استخدام الواقي الذكري وعملية الطهارة التي تحض عليها الديانات السماوية من الانتشار.
 
ولا بد أن هذه الملاحظات حول طرق انتشار المرض تدخل النخب العلمية والاجتماعية في صراع طبي أخلاقي ثقافي وحضاري، فهل ندعو إلى توزيع الواقي الذكري لأننا نعتقد أن هذه الممارسات سلوك إنساني طبيعي لا يمكن تغييره، مع إمكانية أن يتم تشجيع هذا السلوك بالتوزيع؟ أم المطلوب الإصرار على الدعوة إلى الامتناع فقط عن ممارسة الجنس خارج إطار العلاقة الزوجية دون الإشارة إلى فائدة الواقي؟ وهل العلاقة الجنسية ذات ترابط مع عقد الزواج فقط؟ وهل يمكن أن تكون مقبولة خارجه؟ وما علاقتها بالتكاثر البشري؟ وهل يمكن أن تكون للمتعة فقط؟

وتشكل المرجعيات الدينية والثقافية والاجتماعية في كل مكان من العالم جزءا أساسيا من الإجابة، ويقدم الالتزام بمنهج الإسلام ومسلكياته واقيا لا ينكر من هذا المرض. وقد أثبتت دراسات متعددة من مناطق يتواجد فيها مسلمون -مثل أوغندا- على أن معدلات المرض أقل عند المسلمين رغم التشابه الوراثي والعرقي مع غيرهم. وهذا التفاوت يسبب أحيانا خلافا بين مؤسسات دولية ومجتمعات محلية في الاتفاق حول السبيل الأفضل لمقاومة انتشار الإيدز.

الدم كان من وسائل انتقال الإيدز قبل بدء فحوصات نقل الدم عام 1985 للتأكد من خلوه من الفيروس (دريمز تايم)

واجب رعاية المرضى
إن واجب المجتمع الطبي -وخصوصا الأطباء- هو رعاية المرضى دون النظر إلى سبب المرض أو الحكم على المريض، فلا يمكن للطبيب أن يرفض أو يقصر في الرعاية بسبب رفضه لسلوكيات المريض، كما عليه أيضا تطبيق قواعد الوقاية التي تمنع نقل المرض إليه.

أما استخدام الحقن الوريدية فهي طريقة انتقال منتشرة في مناطق عديدة من العالم وخصوصا المتقدم، كما يحدث بين متعاطي المخدرات الذين يستخدمون نفس الإبرة، فإذا كان أحد المتعاطين حاملا للفيروس فإنه ينقله إلى باقي المجموعة. كما أن الدم الملوث كان من وسائل انتقال الإيدز قبل بدء فحوصات نقل الدم عام 1985 للتأكد من أن الدم المتبرع به لا يحمل الفيروس.

وتحاول مجتمعات عدة التغلب على هذه الطريقة (الحقن الوريدية) في نقل العدوى عبر برامج توزيع الإبر والدعوة إلى جعل تناول المخدرات مرخصا بها، أو تدريب المتعاطين على التعقيم وعدم استخدام عُدة الغير في التعاطي، بما يثيره ذلك من نقاش وتباين حول السبيل الأفضل للوقاية.

والأم تنقل أيضا
ويمكن لأي امرأة مصابة أن تنقل المرض إلى جنينها أو رضيعها بنسبة تصل إلى 30%، وذلك خلال الحمل وخصوصا عند الولادة وحتى عبر الرضاعة. و قد أثبتت الدراسات أن تناول المرأة لأدوية الإيدز أثناء الحمل وإعطائها للطفل بعد الولادة يقلل بشكل كبير من احتمالية انتقاله، كما يجب إرضاع الطفل صناعيا لا طبيعيا من الأم.

ويشكل تنامي الإيدز معضلة لمجتمعات كثيرة خاصة في أفريقيا، حيث يموت الآباء والأمهات مما يضطر الأجداد لرعاية الأحفاد.

لحد اللحظة فشلت محاولات اكتشاف عقار يشفي من الإيدز (دويتشه فيله)
وحاليا تتركز سبل العلاج على أدوية حديثة مضادة للفيروسات، وعلى استخدام مضادات البكتيريا بشكل وقائي لمنع بعض الالتهابات الشائعة. ويؤدي استخدام هذه الأدوية إلى تحسن كبير في نتائج المرضى، إذ انتقل المرض حاليا في الدول المتقدمة -عند اكتشافه المبكر وإعطاء العلاج الملائم- من حكم بالإعدام والوفاة إلى مرض مزمن يمكن التعايش معه لمدة طويلة.
 
ولكن هذه العلاجات لها جوانب كثيرة يجب التعامل معها، مثل حدوث مناعة للفيروس ضدها. كما أنها تكون عادة باهظة الثمن لكونها حديثة وأنتجتها شركات أدوية تسعى للربح بعد إنفاق أموال طائلة على تطويرها، إضافة إلى خضوعها لقوانين حقوق الملكية الفكرية, وهذا دفع بلدا مثل الهند لتحدي القانون الدولي وخرق هذه الحقوق والسماح للشركات بتصنيع الأدوية غير الأصلية بشكل رسمي ورخيص لسد الاحتياجات في هذا البلد.

وقد قامت مؤسسات وجامعات ومراكز بحوث كثيرة بمحاولات فاشلة حتى الآن في إنتاج لقاح واقٍ من المرض، وفي حال نجاحه سيكون هذا السبيل الأفضل والأرخص والأسلم، وهي نفس الطريقة التي تخلص بها العالم من الجدري، بينما قد يقول قائل بأن اتباع الأخلاق الحميدة والالتزام بها وتحريم الشذوذ والزنى وتحريم تعاطي المخدرات، هو السبيل.
______________
* استشاري علم المناعة والحساسية بمستشفى الملك عبد الله المؤسس، وأستاذ مشارك في كلية الطب بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.

المصدر : الجزيرة