آرتورو كاسادفال* وفيريك سي فانغ**

يعد العلم أكبر نجاح للجنس البشري، وبفضل الثورة العلمية التي بدأت في القرن الـ17 يستمتع البشر اليوم باتصالات فورية ونقل سريع وغذاء غني ومتنوع، بالإضافة إلى علاج فعال ووقاية من أمراض كانت قاتلة في الماضي. كما أن العلم هو أفضل أمل للإنسانية في التعامل مع تهديدات وجودية مثل التغير المناخي ومسببات الأمراض الناشئة والشهب المتفجرة من خارج الأرض والزيادة في عدد السكان.

لكن العلم تهدده قوى خارجيه وداخلية، ويتوجب الآن على المجتمع العلمي استخدام قدراته التي هي أدوات التقدم البحثي، من أجل التعامل مع تلك التهديدات.

إن العائق الرئيسي أمام التقدم العلمي هو ندرة التمويل المخصص للأبحاث الذي تفاقم بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية. ويشكل نقص التمويل مشكلة خطيرة لأنه يؤدي لابتعاد العلماء عن البحث في مسارات تنطوي على المخاطرة ويمكن أن تقود لاكتشافات حاسمة، كما أنها تجعل من الصعوبة بمكان إقناع الأفضل والأذكى بأن يتخذوا لأنفسهم مهنة في مجال العلم، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التدريب المكثف والتخصص الذي تتطلبه تلك المهن.

تساؤلات وشكوك
ولدى القادة من مختلف ألوان الطيف السياسي تساؤلات فيما يتعلق بالعديد من الأمور المثبتة علميا، مثل التغير المناخي الذي يتسبب به البشر والتطور وفوائد التطعيم، وهم قد يطرحون شكوكا أو يثيرون حالة من الغموض حول هذه الأمور، ولكن من دون الاستناد إلى أساس علمي، كأن يشككوا في أهمية التطعيم أو يرفضوا التصديق بالتغيرات المناخية وآثارها.

إن مثل هذه التصريحات لهؤلاء القادة تصرف الانتباه عن القضايا المهمة وتشوه السياسة العامة وتشكل نوعا من التهديد الذي يقع خارج نطاق سيطرة العلماء المباشرة. ولذلك فإن تحسين التواصل مع القادة السياسيين وعامة الناس يمكن أن يساعد في التخفيف من المعلومات الخاطئة ويدعم الثقة في العلم.

العائق الرئيسي أمام التقدم العلمي هو ندرة التمويل المخصص للأبحاث (الأوروبية)

لكن مصداقية العلم والبحث العلمي تقوض من الداخل، وذلك عن طريق الانتشار المتزايد لسوء التصرف العلمي، الذي كان واضحا وجليا في موجة المنشورات العلمية التي يتم التراجع عنها، ووجود أعداد متزايدة من القوى العاملة غير المتوازنة. ورغم أن الأغلبية الساحقة من العلماء يتقيدون بأفضل معايير النزاهة لا يمكن تجاهل التأثير المتنامي للأبحاث غير الأمينة أو التي لا تنطوي على المصداقية العلمية.

ويطبق نظام حوافز البحث العلمي مقولة "الفائز يحصل على كل شيء"، إذ تذهب المنح والجوائز وغيرها من المكافآت إلى من ينشر أولا. ومع أن هذه العقلية التنافسية ليست جديدة على العلم، إذ أمضى علماء رياضيات القرن الـ17 إسحاق نيوتن وجوتفرايد لايبنيز أكثر من عقد من الزمن وهم يقاتلون قتالا مريرا من أجل الحصول على فضل اكتشاف حساب التفاضل والتكامل، إلا أنها ازدادت اليوم إلى أن أصبحت تعيق التقدم العلمي.

سباق على التمويل
وينخرط العلماء اليوم في سباق محموم من أجل التمويل، وهذا قد يجعل أهدافهم منفصلة عن أهداف أولئك الناس الذين يقومون بخدمتهم، ففي العام الماضي على سبيل المثال عندما سعى جلين بليجلي ولي إيليس إلى إعادة إنتاج 53 من الدراسات المتميزة والمتعلقة بالسرطان، اكتشفا أن 90% تقريبا من نتائجها غير قابلة لإعادة الإنتاج، فبينما استفاد الباحثون والذين قاموا بنشر تلك الدراسات من الزيادة في التمويل والحصول على الشهرة والتكريم، فإن المرضى الذين احتاجوا لعلاجات جديدة لمرض السرطان لم يستفيدوا شيئا.

إن الحوافز المرتبطة بنظام "الفائز يأخذ كل شيء" تشجع الغش، والذي يبدأ بممارسات مشبوهة ويتطور إلى هفوات أخلاقية وسلوك سيئ واضح. ويهدد هذا بخلق حلقة مفرغة يكافأ بموجبها سوء السلوك والأبحاث الضبابية مما يقوض من المسيرة العلمية ومصداقيتها.

تحتاج معالجة هذه المشاكل الواضحة إلى إستراتيجية واضحة تتعامل مع الضعف الهيكلي للمؤسسة العلمية بحيث يتوجب على العلماء إكمال تدريبات مكثفة. وبسبب هذا الضعف فإن القليل من البلدان تمكنت من تأسيس مؤسسات علمية ذات إنتاجية عالية، وذلك رغم أن الابتكار العلمي والاختراقات التقنية حيوية لأي بلد من حيث الإنتاجية والنمو الاقتصادي والنفوذ. وإذا أخذنا بعين الاعتبار التحديات التي تواجه تأسيس قطاع علمي قوي والمحافظة عليه فإن جهود الإصلاح يجب أن تنفذ بحذر.

على العلماء أن يتولوا زمام أمورهم بأنفسهم
(الأوروبية)

إصلاحات شاملة
في الوقت نفسه يجب أن تكون الإصلاحات شاملة وأن تتعامل مع القضايا المنهجية والثقافية والهيكلية، إذ يمكن أن تشمل مراجعة متطلبات التدريب، بحيث تسمح لتخصص أقل مع تحسين التدريب في مجال الاحتمالات والإحصاءات، كما يجب إصلاح الثقافة العلمية من أجل التخلي عن الممارسات الخاطئة الموجودة منذ فترة طويلة.

كما تعد الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف إيجاد توازن في القوى العاملة العلمية واستقرار التمويل أمورا حيوية.

إن أي إستراتيجية إصلاح فعالة يجب أن توظف أدوات العلم خاصة جمع المعلومات والتحليل، فهناك حاجة للمزيد من المعلومات من أجل فهم العديد من الجوانب، مثل الطريقة التي تؤثر بها اقتصاديات المؤسسة العلمية في تصرفات العلماء.

لقد تمت دراسة العلم من قبل علماء الاجتماع والمؤرخين والفلاسفة، ولكن ذلك حدث بشكل نادر من قبل العلماء أنفسهم. واليوم مع وجود الحوافز الخاطئة التي تقوض مصداقيتهم وتعيق الأبحاث على العلماء أن يتولوا زمام أمورهم بأنفسهم. ويشكل تطبيق المنهج العلمي على مشاكل العلم أفضل أمل للعلماء لاستعادة ثقة الناس وإحياء البحث عن الاكتشافات التي يمكن أن تحدث فرقا.
-------------------------------------
*أستاذ علم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة ورئيس كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك.
**أستاذ في الطب المخبري وطب الأحياء الدقيقة والبيولوجيا المرضية في كلية الطب التابعة لجامعة واشنطن، سياتل.

المصدر : بروجيكت سينديكيت