د. حاتم الكاتب*

تعود كلمة "أنيميا" إلى اللغة اللاتينية وهي مكونة من شقين "آن" وهى غياب أو نقصان "إيميا" وتعنى الدم وهو ما يعني فقر الدم، ويعرف بأن تكون نسبة الهيموغلوبين فى الدم أقل من النسبة الطبيعية المرتبطة بعمر وجنس الشخص، وهنا نحن نتحدث عن الأطفال.

والهيموغلوبين مركب يدخل فى تركيب خلايا الدم الحمراء وهو المسؤول عن حمل الأكسجين ليتم توصيله لخلايا الجسم عن طريق الدم وخلايا الدم الحمراء، ويتكون هذا المركب من عنصر الحديد وبروتينات خاصة. 

أسباب فقر الدم عند الأطفال
المجموعة الأولى وتشمل الأسباب التى ترتبط بضعف تكوين خلايا الدم الحمراء وهي:

  • مشاكل التغذية من نقص الحديد وحمض الفوليك وفيتامين ب12.
  • التسمم بالرصاص.
  • الأنيميا الفسيولوجية (الطبيعية) فى السنة الأولى من العمر.
  • مشاكل نخاع العظام الذي يحتوي خلايا خاصة تنتج خلايا الدم المختلفة من خلايا دم حمراء وبيضاء وصفائح دموية، وهناك بعض الأمراض المرتبطة بالخلايا الخاصة بإنتاج خلايا الدم الحمراء فقط وهناك أمراض أخرى يحدث فيها خلل في كل خلايا نخاع العظام وبالتالى يكون هناك قلة أو انعدام لإنتاج كل أنواع خلايا الدم. وتشمل تلك المجموعة الأمراض السرطانية والتعرض لبعض الأدوية والإشعاع ومجموعة من الأمراض الوراثية النادرة.
  • الأنيميا المرتبطة بالأمراض المزمنة.
    جزيء الهيموغلوبين يحمل الأكسجين في الدم (دريمز تايم)

 أما المجموعة الثانية فتشمل الأسباب المرتبطة بزيادة معدلات تكسير خلايا الدم الحمراء أو وجود نزف مزمن وفقدان متكرر لكميات صغيرة من الدم وهي: 

  • مشاكل الهيموغلوبين غير الطبيعى الوراثية وأشهرها أنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا) والأنيميا المنجلية ويحدث بها تكسير مستمر ومزمن وبطيء لخلايا الدم الحمراء.
  • مشاكل نقص الإنزيمات والخمائر وأشهرها ما يصطلح على تسميته بأنيميا الفوال وفيها يحدث تكسير حاد وسريع مع التعرض لمواد معينه مثل الفول وبعض الأدوية.
  • مشاكل غشاء خلايا الدم الحمراء وهي أمراض وراثية يكون فيها الغشاء المحيط بخلية الدم الحمراء غير طبيعي التركيب، مما يؤدي إلى تغير شكل خلايا الدم الحمراء وتكسرها بشكل أسرع من المعدلات الطبيعية.
  • الأنيميا المرتبطة بخلل فى المناعة الذاتية حيث تخرج أجسام مضادة من الجسم لتكسر خلايا الدم الحمراء للجسم نفسه.
  • الأنيميا المرتبطة بالنزف المزمن مثل النزف الشرجي.

    الأعراض والمضاعفات
     
  • شحوب لون الجلد والأغشية المخاطية.
  • الوهن وقلة نشاط الطفل.
  • ضعف التحصيل الدارسى.
  • ضعف النمو وتأخره.
  • نقل الدم المتكرر يرتبط ببعض المخاطر مثل العدوى وزيادة نسبة الحديد وترسبه فى الأنسجة والأعضاء المختلفة، مما يؤدى إلى الكثير من المضاعفات منها فشل وظائف القلب ومرض السكري وتغير لون الجلد.

التشخيص
من المهم جدا عند تشخيص سبب فقر الدم عند الأطفال أن نضع فى الاعتبار عدة عوامل ومنها عمر الطفل، فالأمراض الوراثية المتعلقة بالهيموغلوبين غير الطبيعي وأغشية خلايا الدم الحمراء غالبا ما تشخص في السنة الأولى من العمر وتكون في الغالب مرتبطة بنسبة متدنية من الهيموغلوبين مع تضخم فى الكبد أو الطحال أو كليهما.

فقر الدم الحاد قد يكون مؤشرا على وجود مشاكل
في نخاع العظم (الأوروبية)

فالسنة الأولى من العمر ترتبط بالأنيميا الفسيولوجية وتتراوح نسبة الهيموغلوبين فيها حول عشرة غرامات لكل ديسيليتر من الدم. أما الأطفال الذين يسكنون فى مناطق صناعية أو ورش قد يعانون من أنيميا تشبه أنيميا نقص الحديد ولكنها تنتج من تسمم مزمن بالرصاص. وقد يأكل الأطفال أشياء غير مغذية مثل طلاء الحائط وهؤلاء قد يعانون أيضا من تسمم مزمن بالرصاص بالإضافة إلى أنيميا نقص الحديد.

وعادة ما تترافق الأنيميا الحادة المرتبطة بعيوب الأنزيمات والخمائر بحدوث تكسير حاد فى خلايا الدم الحمراء وتغير فى لون البول وضعف ووهن الطفل وغالبا ما يحتاج إلى نقل خلايا دم حمراء.

ويجب التأكيد على أهمية فحص التاريخ الغذائي والعادات الغذائية للطفل في تشخيص فقر الدم الناجم عن نقص الحديد أو حمض الفوليك أو فيتامين ب12. كما يجب فحص الطفل سريريا للكشف عن وجود مرض مزمن أو تضخم فى الكبد أو الطحال أو كليهما بالإضافة إلى فحص الأغشية المخاطية والأظافر.

وفي النهاية يجب إجراء فحوصات معملية حيث يبدأ الطبيب عادة بفحص كامل للدم الذي يعطينا فكرة عن مستوى الهيموغلوبين وشكل الخلايا، وبعد الأخذ في الاعتبار التاريخ المرضي وفحص المريض يقرر الطبيب الفحوصات المخبرية اللاحقة.

وهنا يجب التنبيه إلى أن الاعتماد على قياس نسبة الهيموغلوبين فقط ليس كافيا لتحديد سبب فقر الدم، كما أن اعتبار أن سبب فقر الدم هو نقص الحديد دون غيره ووصف شراب الحديد للأطفال دون التدقيق فى سبب فقر الدم هو خطأ شائع وقد يرتبط بتأخر تشخيص السبب الحقيقى للمرض.

كما يجب إجراء تحليل براز لإستبعاد وجود إصابة بالديدان المعوية أو الطفيليات والتي يرتبط وجودها بسوء التغذية ونقص فى الحديد وغيره من الفيتامينات والمعادن.

العلاج
ويعتمد العلاج على سبب فقر الدم، فإذا كان ناجما عن سوء التغذية ونقص الحديد يتم تزويد الطفل بشراب الحديد، بالإضافة لحصول الطفل على فيتامين "سي" الذي يساعد على تسهيل امتصاص الحديد سواء من خلال مستحضر دوائى أو من خلال مصادره الطبيعية مثل البرتقال والحمضيات.

المريض المصاب بالثلاسيميا يحتاج لنقل الدم له
بشكل دائم (دريمز تايم)

أما الأمراض الوراثية المتعلقة بالهيموغلوبين غير الطبيعى مثل أنيميا البحر المتوسط "الثلاسيميا" فيتم فيها نقل الدم بشكل دوري حسب نسبة الهيموغلوبين، وتلك الحالات التى ينقل لها الدم بشكل متكرر تعاني من ازدياد نسبة الحديد في الجسم وتعطى أدوية خاصة للتخلص من الحديد الزائد. وهناك بعض الحالات التي يمكن علاجها بعملية زرع نخاع عظام ولكنها تتطلب وجود متبرع تتوافق أنسجته مع أنسجة الطفل المريض. 

الوقاية 

  • من المهم تزويد الطفل بجرعة وقائية من الحديد وخاصة ما بعد ستة الأشهر الأولى من العمر وحتى عمر السنة وخاصة الأطفال الذين يقتصر غذاؤهم على الرضاعة الطبيعية بعد عمر ستة أشهر، فحليب الأم غير كاف لإعطاء الطفل كل احتياجاته من الحديد. أما الأطفال المولودون مبكرا وناقصو النمو فيمكن تزويدهم بالحديد فى عمر مبكر ما قبل الستة أشهر الأولى وذلك تبعا لدرجة نقص النمو ومدة المكث في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة.
  • الأمراض الوراثية مثل أنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا) والأنيميا المنجلية والتى ترتبط بنقل الدم المتكرر للأطفال والعديد من المضاعفات يمكن التقليل من وجودها عن طريق تحاليل ما قبل الزواج وخاصة فى البلاد التي تشيع فيها تلك الأمراض.
  • إيقاف العادات الغذائية السيئة مثل تناول الشاي بعد الأكل مباشرة والذي يرتبط بتفاعل حمض التانيك الموجود فى الشاى مع الحديد الموجود في الطعام ويؤدى إلى تقليل امتصاصه وبالتالي عدم الاستفاده منه. كما أن تناول الأطفال للحلوى ومقرمشات الذرة والبطاطس والمياه الغازية هى عادات غذائية سيئة ترتبط مع أمراض سوء التغذية ونقص الحديد وغيره من الفيتامينات ولذلك يجب تجنبها.
  • الحرص على غسل الأيدي قبل تناول الطعام والحرص على نظافة الطعام وغسله جيدا خاصة الخضراوات الطازجة يقلل من نسب الإصابة بالديدان المعوية والطفيليات التي يرتبط وجودها بنقص الحديد.

يحتاج علاج فقر الدم عند الأطفال لتقييم جيد وتشخيص وتحليل دقيق، فتشخيص المرض هو أول الطريق للعلاج الصحيح.
_______________
* استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة

المصدر : الجزيرة