د.وليد سرحان*


يعد الاكتئاب أحد أهم الاضطرابات النفسية شيوعا، ومن أكثر الأمراض إعاقة لحياة البشر، ومع ذلك ما زال مهملا وفي كثير من الأحيان لا يصل المصاب به للعلاج.
 
وعلى مدار العقدين الماضيين أصبح للأمراض غير المعدية أهمية متزايدة في التأثير على حياة الناس، وسوف يكون الاكتئاب هو المعيق الثاني للبشر في العام 2020.
 
كما أن الاكتئاب يؤدي للانتحار في 15% من الحالات ويعد السبب الرئيسي للانتحار، ناهيك عن أن الاكتئاب المهمل الغير معالج يزيد من الوفيات والجلطات الدماغية والقلبية وحدوث السكري وأمراض القلب، ويفاقم أمراضا قائمة إذا لم ينتبه له كالسرطان والإيدز.
 
كل هذا يعني أن الاكتئاب ليس ترفا وموضة طبية بل هو في صميم حياة الناس، ويتداخل مع الأمراض الأخرى ويزيد من إعاقة الناس عن حياتهم، وإغفاله يعني إهمال صحة الناس.
 
عالميا يعاني 10% على الأقل من الناس من أشكال مختلفة من الاكتئاب، وهذا الرقم ينطبق على مجتمعاتنا العربية. والنساء أكثر تعرضا له من الرجال، وعادة يصيب الناس في مقتبل العمر وسنوات الإنتاج ويزداد مع تقدم العمر.
وأصبح من المألوف أن يستعمل الإنسان العربي كلمة اكتئاب في حديثه وكأن الأمر معروف ومحسوم، والواقع خلاف ذلك، وكثيرا ما تستعمل الكلمة للتعبير عن ضيق أو حزن أو هم أو انزعاج أو توتر، وليس بالضرورة عن اضطراب نفسي له مواصفات محددة.

القدرات العقلية للمريض تتأثر (دريمز تايم)

الأعراض
تتركز أعراض الاكتئاب حول فقدان القدرة على الاستمتاع، فلا يجد المريض متعة في الأشياء التي كان يستمتع بها، ولا رغبة للمبادرة بعمل الأشياء حتى الضروري منها، ويشعر بالحزن ولكنه حزن مختلف كما ونوعا عن الحزن العادي أو الطبيعي الذي يصاب به الإنسان عندما يكون هناك مبرر، مثل فقدان شخص عزيز بالوفاة.

فالحزن الاكتئابي يدور في محاور اليأس وفقدان الأمل وتمني الموت والإقدام على محاولة الانتحار أو الانتحار، كما أن المكتئب تتأثر ثقته بنفسه ويبدأ بتقليل شأنه ويعتبر أنه فاشل ومقصر في كل شيء وينسى أي نجاح له ويعظم السلبيات، ويساوره شك في مدى اكتراث الناس به وبمعاناته حتى أقرب الناس إليه ومن هم مهتمون بأمره فعلا.

وتتأثر وظائف الإنسان الحيوية في معظم الأحيان وتقل الشهية ويفقد المريض من وزنه، كما يضطرب النوم، فيصحو المريض مبكرا في مزاج سيئ أو يكون متقطع النوم أو يجد صعوبة في الخلود للنوم، وقد تحدث كل اضطرابات النوم معا، ويصل الأمر بالمريض ألا ينام لعدة أيام. ويشعر المريض بالارهاق الجسدي والإعياء ويفقد نشاطه المعتاد، ويترافق هذا مع ضعف التركيز والانتباه وبالتالي ضعف تخزين المعلومات، وذلك يشعره بأن النسيان قد بدأ وأنه سيفقد عقله، وتكون هذه الظاهرة واضحة أكثر في كبار السن.

كما يشكو مريض الاكتئاب من آلام جسدية، مثل الصداع وألم الصدر والبطن والظهر والأطراف والمفاصل، وهذه الشكوى تحدث في أكثر من ثلثي المرضى، وتسوقهم للأطباء والعيادات لمعالجة هذه الأعراض الجسدية دون ربطها بالحالة النفسية مما يؤخر التشخيص والعلاج، ويلاحظ أن مرضى الاكتئاب تكون أعراضهم في أشدها في الصباح الباكر وتخف نسبيا مع مرور اليوم، حتى إن البعض يظن أن حالته مرتبطة بالعمل لأنه يكون في الفترة الصباحية، أو تظن السيدة أن الأمر يتعلق بكونها وحدها في البيت عندما يكون الزوج والأبناء خارج المنزل، والواقع أن هذه طبيعة الاكتئاب، إذ يتغير المزاج خلال اليوم وفي أحيان قليلة يكون الاكتئاب أسوأ في المساء إذا كان مرتبطا بالقلق.

ويتغير النشاط الحركي للمريض بالاكتئاب، فقد يكون قليل الحركة والكلام وبطيئهما، وهذا التباطؤ النفسي الحركي قد يكون بسيطا، ولكن في الأحوال الشديدة قد يصل بالمريض لحالة من الذهول وعدم الحركة، فقد يستلقي المريض في سريره بلا حركة أو تجاوب إلا بالنظرات المراقبة كالرادار، أو يمر بمرحلة من الهيجان ويجد صعوبة في الاستقرار والجلوس في مكان واحد، وقد يتصاعد الوضع ليصبح المريض في حالة هياج متفاوت الشدة.

المشاعر السلبية تخيم على رأس المرء
كغمامة سوداء (الجزيرة)

وتتأثر الرغبة الجنسية وتضعف وقد تنعدم عند الرجال والنساء، كما يضطرب الأداء الجنسي، مما قد يتسبب أحيانا بمشاكل زوجية فيراود الزوجة شكوك بأن الزوج على علاقه خارجية أو أنه لم يعد يحبها، وقد يتهم الزوج زوجته بالإهمال والتقصير في كل واجباتها وليس من الغريب أن يصل الأمر للطلاق.

كل هذا يعيق المريض بدرجات متفاوتة حسب شدة الحالة عن أداء وظائفه اليومية من دراسة أو عمل أو أعمال البيت، ويصبح مرتبكا غير قادر على اتخاذ القرار، وقد تبكي المرأة في أي وقت ويحاول الرجل العربي منع نفسه من البكاء لأن هذا ليس من شيم الرجال! ثم يبكي مرغما في السر ثم في العلن. ويترافق الاكتئاب في معظم الأحيان مع مظاهر القلق النفسي، بما فيها التوتر والنزق والخوف من الأمراض والموت، والإحساس بأن هناك مصيبة سوف تحدث، وتزيد الآلام الجسدية وقلة النوم وقلة التركيز.

الأنواع
وأكثر أنواع الاكتئاب شيوعا هو المختلط بأعراض القلق بدرجة بسيطة أو متوسطة، ولكن هناك أنواعا شديدة كالاكتئاب الذهاني الذي يترافق مع هلاوس بصرية وسمعية وشمية وأوهام بأنه مذنب ويستحق الموت وقد خسر كل شيء في حياته، دون أن يكون هناك صحة لهذا.

ومن أشكال الاكتئاب الشائعة اكتئاب النفاس، الذي يصيب المرأة بعد الولادة وفيه نفس الأعراض مع الاهتمام والقلق من المولود أو رفضه وعدم قبوله، وهناك الاكتئاب الشتوي واللانمطي وفيها يكون زيادة في الشهية والوزن وزيادة في النوم يتكرر هذا النوع في كل عام وكل موسم.

تعود أسباب الاكتئاب لعوامل متعددة منها وراثية وأخرى بيئية واجتماعية ونفسية، وتختلط هذه العوامل لإحداث تغيير في الناقلات العصبية الكيماوية في مراكز التحكم بالمزاج في الدماغ، ويمكن مشاهدة ذلك من خلال التصوير الوظيفي للدماغ, أما المريض فيتوه في موضوع الأسباب, فإذا استطاع ربط الاكتئاب في سبب معين مثل فقدان العمل فإنه يعتبر أن لا فائدة من معالجة الحالة طالما أن السبب سوف يستمر، وكذلك السيدة التي فقدت زوجها وتتحمل مسؤولية البيت والأطفال تعتبر أن العلاج لن يعيد لها زوجها وبالتالي فلا فائدة منه، وأما المرضى الذين لا يستطيعون إيجاد سبب للاكتئاب فيزدادون هما وحزنا، وماذا سيفعل العلاج طالما أنه لا يوجد سبب يعالجه. والواقع أن الطبيب لا يعالج أسبابا بل مرضا بغض النظر عما إذا ما كان هناك سبب واضح أو غير واضح.

العلاج والوقاية
وأما علاج الاكتئاب فله ثلاث وسائل، أولاها العلاج النفسي وهو العلاج بالكلام بوسائل متعددة تعرف بالعلاج المعرفي والسلوكي والتحليلي، وهذه أساليب فعالة ومهمة في التخلص من الاكتئاب، ودائما يكون العلاج النفسي والاجتماعي الداعم ضروريا مع أية معالجات أخرى.

المصاب يشعر بأنه مسجون بين قضبان الحياة (دريمز تايم)

والعلاج الثاني هو بأدوية تسمى مضادات الاكتئاب، وهي أدوية نوعية تصحح الخلل الكيماوي في الدماغ، وتأخذ بضعة أسابيع حتى يبدأ مفعولها، وبعد أن يستقر المريض يكون بحاجة لإكمال العلاج لمدة سنة على الأقل تبعا لشدة ونوع وعدد النوبات السابقة، وقد تطورت هذه الأدوية تطورا كبيرا في العقدين الماضيين.

والعلاج الثالث هو العلاج بالحث المغناطيسي أو الكهربائي للدماغ، فمن المعروف منذ عقود أن العلاج بالاختلاج الكهربائي فعال في معالجة الاكتئاب خصوصا الشديد، ومؤخرا ظهرت أساليب جديدة في حث الدماغ مغناطيسيا وهي أيضا تعطي نتائج جيدة.

هل يمكن للإنسان وقاية نفسه من الاكتئاب؟ والإجابة هي أن الوقاية من الاكتئاب لها ثلاثة مستويات، الأول منع حدوثه نهائيا، وهذا يعني الأكل المتوازن والنشاط العقلي والجسدي المعتدل، وتجنب المؤثرات العقلية بمختلف أشكالها سواء كانت مهدئات أو كحولا أو مخدرات، مما يقلل من حدوثه، والمستوى الثاني هو الاكتشاف المبكر للاكتئاب والوصول للعلاج قبل تفاقمه، وهذا يحتاج لوعي الفرد والمجتمع والعاملين في الرعاية الصحية الأولية، أما المستوى الثالث فهو منع التكرار، فالاكتئاب بعد علاجه يمكن أن يتكرر عند حوالي نصف من عولجوا للمرة الأولى، ولا بد أن يعرف المريض بعد شفائه أن هناك إمكانية للانتكاس.

ومن الواضح أن الاكتئاب يتربع على قائمة الأمراض المنتشرة والمؤثرة على حياة البشر ولكنه مرض قابل للعلاج مهما كانت شدته أو تكراره، ولا بد من الاهتمام به كجزء من الاهتمام بالصحة النفسية التي هي جزء لا يتجزأ من صحة الإنسان ورفاهيته.

---------------------------------
* مستشار الطب النفسي ورئيس تحرير المجلة العربية للطب النفسي

المصدر : الجزيرة