خافيير ديفيليبي*

إن دماغ البشر أشبه بغابة كثيفة معقدة التضاريس من الخلايا العصبية المتفاعلة، التي تلعب دور الوسيط لتيسير عمليات الإدراك والسلوك. ويتمثل التحدي الأكبر في كشف أسراره الغامضة، وذلك بمعنى التعرف على بنية الخلايا العصبية والكيفية التي تتصل بها وترتبط فيما بينها. ولكن إلى أي مدى اقتربنا من تحقيق هذا الهدف.

وبشكل عام، يتم تبادل المعلومات بين مليارات من الخلايا العصبية التي تشكل الغابة العصبية، من خلال نوعين من الهياكل الشديدة التخصص: التشابكات العصبية الكيميائية، وهي تشكل الأغلبية، وفيها تلتقي الخلايا العصبية على مقربة تفصل بينها فجوة صغيرة، وتنتقل الرسائل العصبية بينها عن طريق إشارة كيميائية مكونة من جزيئات محددة هي النواقل العصبية التي تنتشر خلال الفضاء بين الخلوي، وتتفاعل مع مستقبلات محددة توجد على الخلايا العصبية المجاورة.

أما الثانية فتسمى نقاط اتصال الفجوات، وتنتقل الرسائل بينها كهربائيا، إذ تفصل بين أسطح الخلايا العصبية المجاورة فجوات يبلغ طولها نحو اثنين نانومتر (2 من مليار من المتر)، ولكنها تحتوي على قنوات صغيرة تربط الخلايا العصبية المتجاورة بشكل مباشر، على نحو يسمح بنشر جزيئات صغيرة، وتدفق تيار كهربائي مباشر بينها.

وتكمن المشكلة الكبرى -عند تحليل الدماغ- في التعقيد الشديد الذي يميز الارتباطات المتشابكة. فهناك شبكة شديدة الكثافة من العمليات التي تدور في المساحة بين أجسام الخلايا العصبية، التي تشكل مساحتها 90% إلى 98% من حجم القشرة الدماغية في البشر، حيث يوجد ما يقدر بنحو مليار تشابك عصبي في كل نانومتر مكعب من النسيج العصبي.

الصور المجهرية للخلايا العصبية وتشابكاتها يتم تكبيرها وجمعها ببعضها لعمل صورة نهائية كاملة ودقيقة (الأوروبية)

طريق عبر الغابة
ولكننا رغم ذلك بدأنا نشق طريقنا عبر هذه الغابة. إن شبكة الدوائر الدماغية (منظومة التشابكات العصبية) تشكل الركيزة التشريحية لمجموعة متنوعة من الوظائف التي تتطلب نقل المعلومات بسرعة من نقطة إلى أخرى، كردود الفعل الانعكاسية (وهي حركات تلقائية بسيطة نسبيا وسريعة، تحدث على مستوى اللاوعي، كسحب يدك بسرعة إذا لمست شيئا ساخنا)، بالإضافة للوظائف الأشد تعقيدا كاللغة والحساب والكتابة والاستدلال المنطقي.

وتشكل إعادة البناء السريعة والتلقائية لأحجام ضخمة من الأنسجة -والتي باتت ممكنة بفضل التطورات الأخيرة في تقنيات المجهر الإلكتروني الآلي- الأسلوب المفضل في التعرف على منظومة التشابكات العصبية. وفيها يتم تكبير الصور المجهرية للنسيج ومن ثم جمعها ببعض لعمل صورة واحدة كبيرة أشبه بخريطة دقيقة التفاصيل.
والأمر أشبه ما يكون بعمل خريطة لغابة، حيث يقوم الباحث بأخذ صورة لكل شجرة أو مجموعة أشجار على حدة، ثم يضمها لبعض فيحصل على صورة كبيرة واضحة.

ولكن حتى باستخدام هذه التكنولوجيا، فإن إعادة البناء الكاملة لدماغ بالكامل أمر غير ممكن، إلا في الأجهزة العصبية البسيطة نسبيا. والواقع أنه حتى بالنسبة لحيوان ثديي صغير كالفأر، فمن المستحيل إعادة بناء الدماغ بالكامل على المستوى التركيبي الدقيق، لأن التكبير اللازم لرؤية التشابكات العصبية ينتج صورا صغيرة نسبيا.

صعوبات
فعلى سبيل المثال، إذا أردنا صنع خريطة لمليمتر مكعب واحد من النسيج العصبي، وقمنا بتقسيم النسيج لشرائح تبلغ مساحة كل واحدة منها 35 ميكرومترا مربعا (الميكرومتر هو واحد على مليون من المتر) وبسمك عشرين نانومترا، فإننا سوف نحتاج لعمل صور مقطعية لأكثر من 1.4 مليار قطاع (صورة) لعمل صورة كاملة لمليمتر مكعب واحد فقط.

لعمل صورة كاملة لمليمتر مكعب واحد فقط من النسيج الدماغي نحتاج لأخذ أكثر من 1.4 مليار صورة مقطعية صغيرة وجمعها ببعضها (رويترز)

وحتى لو كان من السهل إعادة بناء منطقة صغيرة من دماغ حيوان ثدييّ، فإن القشرة الدماغية البشرية والتي تبلغ مساحتها السطحية 2.2 متر مربع، وبسمك يتراوح بين 1.5 إلى 4.5 مليمترات، من غير الممكن إعادة بنائها بالكامل.

ولكن رغم الصعوبات التقنية، فلابد أن يكون بوسعنا أن نحقق تقدما مذهلا في الكشف عن التنظيم العضوي للدماغ من خلال تبني الإستراتيجيات المناسبة والاستعانة بالأدوات المتاحة الآن. فعلى سبيل المثال، فباستخدام نماذج التوزيع الإحصائي لن نحتاج لإعادة بناء طبقة كاملة داخل منطقة بعينها في النسيج العصبي من أجل تحديد عدد التشابكات العصبية وأنواعها، بل يكفي أخذ عينات متعددة من مناطق صغيرة نسبيا، ومن ثم نبني نموذجا إحصائيا واقعيا، بدلا من محاولة إعادة بناء الدماغ بالكامل. أي بكلمة أخرى، عوضا عن تصوير كل شجرة في الغابة فإننا نأخذ صورا لبعض الأشجار فقط من مناطق مختلفة، ومن ثم نكبرها ونكررها لعمل الخارطة الكاملة.

وبالتالي، فرغم أن التوصل لتحديد منظومة التشابكات العصبية في دماغ الثدييّات والبشر يشكل سعيا خياليا، فمن المحتمل أن نتمكن في المستقبل القريب من بناء "قشرة السليكون"، وهي عبارة عن آلة حاسوبية تقوم على نموذج واقعي للتصميم التشريحي والفسيولوجي والجزيئي الكامل للقشرة الدماغية. وإذا نجحنا في هذا فسوف نتمكن أخيرا من رؤية الغابة، من دون أن نضطر إلى البحث عن كل شجرة.

------------------------
*خافيير ديفيليبي أستاذ ومدير مختبر كاجال للدوائر القشرية في جامعة بوليتيكنيك في مدريد، ومختبر التنظيم المتناهي الصغر للقشرة الدماغية الطبيعية وتعديل الدوائر في معهد كاجال في مدريد.

المصدر : بروجيكت سينديكيت