تعد معدلات بدانة الأطفال في اليابان الأقل على مستوى العالم ( الأوروبية)

قد يكون السبب انتشار مطاعم الوجبات السريعة، أو ظهور ألعاب الفيديو والبرامج التلفزيونية التي سحبت الأطفال من ساحات اللعب إلى غرف المعيشة، ولعله التغييرات الغذائية والسلوكية، ولكن النتيجة واحدة المزيد من الأطفال في العالم يعانون من زيادة الوزن والسمنة.

وتمثل بدانة الأطفال مشكلة لها آثار صحية واقتصادية، فالمعهد الوطني الأميركي للدراسات الصحية وصف الارتفاع العالمي في بدانة الأطفال على مدى العقود الثلاثة الماضية بأنه "وباء"، ووفقا للمركز الأميركي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها فقد تضاعف انتشار السمنة لدى الأطفال في الولايات المتحدة ثلاث مرات خلال تلك الفترة.

والطفل البدين أكثر عرضة للبدانة عندما يكبر وما يترتب على ذلك من ارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين والسكري والسرطان.

ولم تتمكن اليابان من حل مشكلة بدانة الأطفال، لكنها حققت بعضا من أكبر النجاحات في الحفاظ على صحة الأطفال من بين دول العالم المتقدم.

عندما بدأت مشكلة السمنة لدى الأطفال في اليابان قبل ثلاثة عقود كانت معدلاتها منخفضة ولكن ليست الأقل مقارنة بدول أخرى، واليوم أصبحت معدلات بدانة الأطفال في اليابان الأدنى ما بين الدول المتقدمة. ويسود اعتقاد أن سبب ذلك طبيعة المجتمع الياباني وبالتالي فإن تجربته في تخفيض معدلات السمنة غير قابلة للتطبيق في أماكن أخرى، ولكن النظرة الفاحصة تدحض هذه الفكرة السائدة، وفي الحقيقة فإن اليابان ليست بمنأى عن ارتفاع معدلات السمنة بين الأطفال التي تضاعفت خلال 25 عاما.

وبينما شاهدت الأمم الأخرى أطفالها يصبحون أكثر بدانة وأقل صحة, قررت اليابان التعامل بصورة مختلفة مع المشكلة، إذ أطلقت العديد من السياسات التي عملت على التصدي للارتفاع في بدانة الأطفال. واحدة من بين أهم هذه السياسات وفقا لمسؤولي الصحة اليابانية كانت وجبات الغداء المدرسية.

ارتفع معدل السمنة بين تلاميذ المدارس اليابانية بنسبة 0.1% سنويا في الفترة ما بين 1976 و2000، في حين كان معدل الزيادة أربعة أضعاف في الولايات المتحدة الأميركية لنفس الفترة

وجبات مدرسية
ويخطط أخصائيون في التغذية وجبات الغداء المدرسية اليابانية، إذ تشمل المكونات الطازجة المزروعة محليا بالإضافة إلى الأرز والحساء والخضروات والأسماك. ويعتبر برنامج التغذية الياباني ناجحا ورخيصا في آن واحد، إذ لا تتجاوز الكلفة ثلاثة دولارات لكل وجبة، وتعود جذوره إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما كانت اليابان تعيش نقصا حادا في الطعام، حيث كانت المساعدات الدولية مصدر غذاء طلاب المدارس، وكانت وجباتهم تحتوي الفجل والخبز والحليب الخالي الدسم.

وبعد عام 1970 أصبحت الدولة قادرة على تأمين غذاء الطلاب الذي أخذ شكله العصري الحالي والمكون من وجبات محفوظة في مغلفات خاصة تفتح لتأكل في الصف، وليس صعبا ملاحظة عدم احتوائها على أطعمة مقلية ومشروبات غازية.

وتكمن دلائل نجاح النظام الغذائي الياباني في الأرقام، فرغم ارتفاع نسبة بدانة الأطفال في اليابان فإن معدلات ارتفاعها بقيت واحدة من الأبطأ بين دول العالم المتقدم، وفقا للمجلة الدولية لبدانة الأطفال التي تصدر في الولايات المتحدة الأميركية. 

وفي بريطانيا ارتفعت معدلات بدانة الأطفال ثلاثة أضعاف وفي أيسلندا أكثر من أربعة أضعاف، ومع أن معدلات زيادة بدانة الأطفال في فنلندا وهولندا أقل من اليابان إلا أن البيانات تشير إلى حقيقة كون الأطفال اليابانيين ما زالوا أقل عرضة للسمنة من نظرائهم هناك.

ولكن لماذا؟ والإجابة أن المدارس لا تعطي الطالب حرية الاختيار، فهو ملزم بتناول الطعام الموجود في الوجبة المدرسية، كما لا توجد آلات لبيع الحلوى والمشروبات الغازية ولا يسمح للطلاب بإحضار الطعام من المنزل إلى المدرسة إلا بعد بلوغ المرحلة الثانوية.

وذلك ما يفسر ارتفاع معدلات السمنة بعد سن 15 عاما عندما يسمح للتلميذ الياباني بشراء الطعام، وهو ما يعني أيضا أن النظام الغذائي الصارم هو سر هذا النجاح الياباني في مقاومة بدانة الأطفال، وهو أمر قد لا يروق للتلاميذ الصغار في وقته لكنه سينعكس إيجابا على صحة المجتمع.

المصدر : واشنطن بوست