طفل مشوه الساق من مدينة الفلوجة في العراق (غيتي إيميجز)

د. أسامة أبو الرُّب

لا تكتفي الحرب بقتلها الأحياء الذين يعيشون على وجه الأرض وتشويه من تبقى منهم حيا، بل يتعدى أثرها إلى المواليد الذين لم يخلقوا في بطون أمهاتهم بعد، فتقتلهم قبل أن يبصروا النور ثم تلقيهم جثثا هامدة تهبط من بطون أمهاتهم، أو تجعلهم مشوهين بعاهات شديدة.

ومع أن الانطباع الأول عن تشوهات الولادة المرتبطة بالحرب هو نتاجها عن الأسلحة، إلا أن ذلك جزء فقط، فالأمر يمتد ليشمل نقص العلاج وانتشار الأمراض وعدم وجود رعاية صحية ملائمة للأم الحامل، مما يرفع مخاطر ولادة طفل يعاني من تشوهات خلقية.

وعيوب الولادة هي التشوهات البنائية أو الوظيفية الموجودة عند الولادة، ويمكن أن تؤدي لإعاقة الطفل جسديا أو عقليا، أو تعيق نموه أو تؤثر على صحته فيما بعد. وتشمل عيوب الولادة العديد من التشوهات والأمراض، منها:

  • تشوهات الأطراف، كالتصاقها أو عدم وجودها.
  • تشوهات القلب، مثل مشاكل الصمامات.
  • شق الشفة وشق الحنك (الحلق).
  • تشوهات الأنبوب العصبي مثل فتحة العمود الفقري، حيث يكون هناك جزء غير مكتمل من الفقرات في العمود الفقري. ووجود نقص في أجزاء الدماغ، في مرض يطلق عليه اسم      "Anencephaly".
  • العمى.
  • الصمم.
التعرض لليورانيوم يرتبط بحدوث طفرات في الجينات (غيتي إيميجز)

وتحدث تشوهات الولادة وفق أربع آليات:

  • مشاكل في الجينات، حيث قد يحصل تغير أو طفرة في الجين، أو يكون مفقودا من الأصل.
  • مشاكل في الكروموسومات، إذ قد يكون جزء من الكروموسوم مفقودا أو يكون هنالك كروموسوم زائدا مثلا.
  • التعرض للمواد الكيميائية والأشعة مثل اليورانيوم.
  • إصابة الأم بالعدوى أو المرض، مثل إصابة الحامل بالحصبة الألمانية.

الأسباب المرتبطة بالحروب:

الإشعاع:
والذي قد ينجم عن التفجير النووي، كما حدث في مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين عام 1945 أو ينجم عن الذخيرة الإشعاعية الموجود في الذخائر، مثل اليورانيوم المنضب، وهو اليورانيوم المتبقي بعد عملية التخصيب، ويستعمل في صناعة الدروع العسكرية والذخائر، إذ يزيد من قدرة المقذوف على الاختراق، وقد استعملت هذه الذخائر في اجتياح مدينة الفلوجة العراقية عام 2004.

ومع أن الناجين من المحرقة النووية في هيروشيما وناغازاكي سجلوا معدلات أعلى من السرطان وخاصة اللوكيميا. فإن الباحثين لم يسجلوا زيادة في تشوهات المواليد لدى هؤلاء الناجين. ولكن هذا الأمر مختلف في مدينة الفلوجة، التي تعرضت لهجوم من القوات الأميركية في عام 2004، إذ كشفت دراسة نشرت في عام 2010* عن ارتفاع نسبة وفيات الرضع والسرطان لدى الأطفال، كما كشفت عن اختلال نسبة الذكور للإناث في المواليد، وهو أمر قالت إنه يشير بقوة إلى وجود طفرات ومشاكل في الجينات.

وتشير معطيات إلى أن التعرض لليورانيوم يرتبط بحدوث طفرات في الجينات في المادة الوراثية، وضرر على الحمض النووي، وحدوث تغيرات في الكروموسومات، وحصول تغيرات سرطانية في الخلايا.

نقص حمض الفوليك:
يؤدي عدم حصول المرأة التي ترغب بالحمل على مقدار ملائم من حمض الفوليك إلى زيادة مخاطر إنجاب طفل يعاني من تشوهات الأنبوب العصبي، مثل حدوث فتحة في العمود الفقري.

تشوهات الأطراف تبقى مع الطفل أبد الدهر (غيتي إيميجز)

وتوصي المؤسسات الطبية الأم التي تريد الحمل (أي قبل الحمل) والحامل بتناول 400 مايكروغرام من حمض الفوليك يوميا. أما أثناء الحرب فسيكون من الصعب للغاية توفير حمض الفوليك للنساء، مما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات تشوهات الأنبوب العصبي في مواليدهن.

العدوى:
يؤدي نقص الرعاية الصحية أثناء الحرب إلى زيادة احتمالات إصابة الحامل بالعدوى، ويفاقمه عدم توفر العلاج. ومن الأمثلة على العدوى المرتبطة بعيوب الولادة:

  • الإصابة بـ"سايتوميغالوفايروس"، وهو فيروس.
  • داء المقوسات، وهي عدوى طفيلية تنتقل عن طريق براز القطط واللحم النيئ والماء والطعام الملوثين.
  • الحصبة الألمانية.

السكري والبدانة:
إذ يؤدي عدم تلقي الحامل المصابة بالسكري العلاج إلى زيادة مخاطر إنجاب طفل مرتفع الوزن (عملقة) واحتمالية المشاكل التنفسية لديه. أما البدانة فتزيد مخاطر إنجاب طفل لديه مشاكل في القلب. ومن الواضح أن بيئة الحرب تعني انعدام الرعاية الصحية والتوعية اللازمة للأم الحامل في السيطرة على السكري أو ضبط الوزن.
_______________
* Cancer, Infant Mortality and Birth Sex-Ratio in Fallujah, Iraq 2005-2009, Chris Busby, Malak Hamdan, and Entesar Ariabi

المصدر : الجزيرة