التبغ مضر بالصحة وهو يتآمر على متعاطيه سواء كان غنيا أو فقيرا، غربيا أو شرقيا (دريمز تايم)

د. أسامة أبو الرب

لا بد أنك سمعت هذه المقولة الكثير من المرات، سواء كنت من المدخنين الذين ينتظرون "جلاء الهم وزوال الحزن" بالسيجارة، أو ممن يتلقون الدعوات للشروع في هذه العادة غير الصحية. ولكن هذا الوصف الأخير ربما لا يوفي الدخان أضراره، بل يغمطه الكثير من "آثامه".

واللافت في الأمر أنه رغم الارتفاع المضطرد في أعداد المدخنين في الدول النامية، ومنها دولنا العربية، فهناك تراجع واضح في أعداد المدخنين في العالم الغربي والدول المتقدمة. وهو أمر يرى فيه البعض نوعا من المؤامرة التي تحيكها شركات التبغ التي تلقى التضييق في الدول المتقدمة فتهرع لتسكب سخمها في دولنا وبين شعوبها.

ولكن الأمر لا يحتاج إلى الغوص في نظريات المؤامرة لمعرفة أن التبغ مضر بالصحة، وأنه يتآمر على متعاطيه سواء كان غنيا أو فقيرا، غربيا أو شرقيا. ومن المتوقع أن توجه شركات التبغ جهودها واستثماراتها للأسواق التي ترى فيها تطورا وازدهارا، سواء كان ذلك ناجما عن قلة الوعي أو ضعف التشريعات.

أسماء متعددة لسمّ واحد
والتبغ هو المادة الذي تصنع منها منتجات التدخين كالسجائر، وهو نبتة جميلة المظهر، خضراء فاقع لونها، تسر الناظرين، ولا يوحي مظهرها أبدا بما تخبئه من سموم. ويتم جمع أوراق نبات التبغ وتجفيفه لتصنع منه السجائر و"معسّل" الشيشة و"الأرغيلة" وغيرها من منتجات، ويتم تعاطيها عن طريقة التدخين (الإشعال ثم الاستنشاق)، أو المضغ أو الاستنشاق المباشر "زعوط".

التبغ تجفف أوراقه وتصنع منها السجائر (دويتشه فيلله)

ويحتوي التبغ على مكونين أساسيين:

  • النيكوتين، وهو مادة تسبب التعود والإدمان، وتلعب دورا كبيرا في الإدمان على التدخين، ويفرزها النبات كوسيلة دفاعية لحمايته من الحشرات، ولذلك فهو يدخل في تصنيع بعض المبيدات الحشرية.
  • مجموعة من المواد المسببة للسرطان (مسرطنة) يبلغ عددها 19 مادة، ويطلق على معظمها اسم القطران.

وكما أن في الاتحاد قوة فإن في تعاون النيكوتين والقطران أضرارا على الصحة تشمل مستويات عدة:

الفرد المدخن نفسه:

  • نقص في التروية الدموية للساقين.
  • مشاكل في الانتصاب لدى الذكور، وذلك بسبب نقص وصول الدم للقضيب.
  • مشاكل في الحيوانات المنوية.
  • العقم.
  • أمراض القلب، مثل مرض الشرايين التاجية والذبحة الصدرية والسكتة القلبية.
  • ازدياد احتمال تكوّن الجلطات في القدم والرئة، وارتفاع مخاطر السكتة الدماغية.
  • تراجع قدرة الجروح على الالتئام.
  • السرطان، وخاصة سرطانات الفم والحنجرة والرئة والكلى والمريء والمثانة والبنكرياس وعنق الرحم.
  • التهاب القصبات الهوائية والأزمة التنفسية.
  • التنكس البقعي في العين.
  • ظهور التجاعيد في الجلد.
  • انخفاض القدرة على التذوق والشم.
تدخين الحامل يؤذي الجنين (دريمز تايم-سيرجي سكريل)

الحامل المدخنة وجنينها:

  • ازدياد احتمال الإجهاض.
  • ارتفاع مخاطر الولادة المبكرة.
  • انخفاض وزن الطفل عند الولادة.
  • زيادة احتمال ولادة الطفل بشق في الشفة (cleft lip).

الأشخاص المحيطون بالمدخن الذين يستنشقون دخان سجائره، ويطلق على هذا النمط اسم "التدخين الثانوي":

  • أمراض القلب.
  • سرطان الرئة.
  • تفاعلات مفاجئة وحادة مع التبغ، تشمل المجاري التنفسية السفلية والعين والأنف والحلق.

أما بالنسبة للأطفال والرضع الذين يتعرضون للتدخين الثانوي فهم أكثر عرضة لكل من:

  • الأزمة التنفسية (الربو).
  • التهابات الرئة والأذن.
  • مشاكل في الرئة ووظائفها.
  • متلازمة موت الرضع المفاجئ، وهو وفاة الرضيع بشكل غير مفسر ومن دون سبب طبي معروف.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن التبغ هو أول مسبب منفرد للوفيات التي يمكن منعها في العالم. وتقدر المنظة أن التبغ قتل في القرن العشرين مائة مليون إنسان على وجه الأرض. ويعتقد أنه في القرن الواحد والعشرين قد يقتل مليار إنسان.

وحاليا يقتل التبغ 5.4 ملايين إنسان سنويا، وفي عام 2030 سوف يتطور العدد ليصل 8 ملايين. كما يعتقد أنه في ذلك الوقت ستكون أكثر من 80% من وفيات التبغ في البلدان النامية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية على أهمية وضع سياسات للتصدي لهذا الارتفاع المضطرد في معدلات استهلاك التبغ ووفياته.

صورة من داخل رئة شخص مصاب بسرطان الرئة (الأوروبية)

حجة مكررة
وهناك حجة جاهزة لطالما استعملها المدخنون: "جدي كان يدخن ثلاث علب من السجائر وعاش حتى التسعين". وبغض النظر عن مدى صدقية هذه القصة التي تكاد تكون متكررة بين المدخنين، فإن هذا حتى لو حدث مع شخص فإنه قد يرجع إلى عوامل أخرى سمحت للمدخن بأن يعيش فترة طويلة، مثل صحته وقابليته للإصابة بالمرض. لذلك على الأرجح فإن هذا الجد كان محظوظا للغاية مما جعله يعيش حتى هذا السن لا بسبب الدخان، بل رغما عنه!

بالمقابل فإن الدراسات الإحصائية قد أثبتت بشكل لا يدع مجالا للشك الدور الذي يلعبه التبغ في تقصير متوسط عمر الفرد المتوقع، وفي تقليل نوعية حياته نتيجة الأمراض ومضاعفاتها. ومن أشهر هذه الأبحاث دراسة الأطباء البريطانيين* التي أجريت على مدار 50 عاما بين عامي 1951 و2001.

ومع أن لون نبات التبغ الأخضر قد يدغدغ عينيك بجماله، إلا أن مظهر رئة المدخن تحيل هذا السرور اللحظي إلى صدمة مرعبة. وبعد استنشاق الدخان وإنهاء السيجارة فإن الشيء الذي سينجلي هو الحقيقة الشديدة الظلمة كقطران السجائر، والتي تُنبئك بأن الدخان ليس حلا للهموم، بل هو مرض غير بعيد وهمّ جديد.
--------------------------------------
*Mortality in relation to smoking: 50 years observations on male British doctors

المصدر : الجزيرة