متجر للمنتجات العضوية (رويترز)

*هنري ميلر

إن المنتجات العضوية -بدءا من الأغذية مرورا بمركبات العناية الزائفة بالبشرة وانتهاء بالسجائر-أصبحت في رواج إلى حد كبير، حيث تجاوزت السوق العالمية للأغذية العضوية وحدها الآن وفقا للتقارير ستين مليار دولار سنويا. ويبدو أن المفوضية الأوروبية تشارك المؤيدين وجهات نظرهم، إذ أكدت في رأيها الرسمي بشأن الزراعة والأغذية العضوية أنها "مفيدة للطبيعة، ومفيدة لكم". ولكن لا يوجد دليل واحد مقنع يشير إلى أي من هذا.

وفي تحليل مجمّع أجري عام 2012 للبيانات من 240 دراسة، خلص الباحثون إلى أن الفواكه والخضراوات العضوية لم تكن قيمتها الغذائية، في المتوسط، أكبر من نظيراتها التقليدية الأرخص، ولم تكن احتمالات تلوثها بالبكتريا مثل "الإيكولاي" أو "السالمونيلا" أقل، وهو الاكتشاف الذي فاجأ حتى الباحثين. فقالت دينا برافاتا من الفريق البحثي إنه عندما بدأنا هذا المشروع تصورنا أننا قد نتوصل إلى بعض النتائج التي من شأنها أن تدعم فكرة تفوق الأغذية العضوية على التقليدية.

إن العديد من الناس يشترون الأغذية العضوية من أجل تجنب التعرض لمستويات ضارة من المبيدات الحشرية. ولكن هذا المنطق مغلوط، فرغم أن الفواكه والخضراوات غير العضوية تحتوي على رواسب أكثر من المبيدات، فإن المستويات بأكثر من 99% من الحالات لم تتجاوز عتبات السلامة المحافظة التي تحددها الهيئات التنظيمية.

رغم أن الفواكه والخضراوات غير العضوية تحتوي على رواسب أكثر من المبيدات، فإن المستويات بأكثر من 99% من الحالات لم تتجاوز عتبات السلامة المحافظة التي تحددها الهيئات التنظيمية

مواد كيميائية تنتجها النباتات للدفاع عن نفسها
وعلاوة على ذلك فإن الغالبية العظمى من المواد الداخلة في تركيب المبيدات الحشرية والتي تكتشف على المنتجات توجد "بشكل طبيعي" بالأنظمة الغذائية العادية، من خلال الأغذية العضوية والتقليدية. فقد اكتشف بروس آيمز المتخصص بالكيمياء الحيوية وزملاؤه أن 99.99% "بالوزن" من المبيدات الحشرية بالنظام الغذائي الأميركي في واقع الأمر مواد كيميائية تنتجها النباتات للدفاع عن نفسها.

خلاصة القول أن المواد الكيميائية الطبيعية، مثلها كمثل النسخ الاصطناعية، من المحتمل أن تظهرها الاختبارات إيجابية بالدراسات التي تجرى على سرطانات الحيوانات. ولكن بالنسبة للبشر، فإن المخاطر الناجمة عن تعرضهم لجرعات منخفضة من رواسب المبيدات الحشرية الاصطناعية، ضئيلة للغاية. وبعبارة أخرى، فإن المستهلكين الذين يشترون الأغذية العضوية المكلفة من أجل تجنب التعرض للمبيدات الحشرية يركزون اهتمامهم على 0.01% من المبيدات الحشرية التي يستهلكونها.

ومن عجيب المفارقات، أن تسمية "عضوية" في كل من أوروبا وشمال أميركا، هي ذاتها عبارة عن بنية بيروقراطية اصطناعية وليس لها سند منطقي. فهي تمنع استخدام المبيدات المصنعة كيميائيا، مع بعض الاستثناءات العملية. على سبيل المثال، تذكر وثيقة الاتحاد الأوروبي أن "القواعد المرنة التي يمكن توقعها" من الممكن أن تعوض عن "الاختلافات المناخية أو الثقافية أو البنيوية المحلية". ويُسمَح باستخدام بعض المواد الكيميائية المصنعة (المحددة بدقة) عندما تكون البدائل المناسبة غير متوفرة.

فضلات حيوانية عامرة بمسببات المرض
وعلى نحو مماثل، سنجد في الولايات المتحدة قائمة مطولة من الاستثناءات المحددة من الحظر. ولكن أغلب المبيدات الحشرية الطبيعية، علاوة على الفضلات الحيوانية العامرة بمسببات المرض والتي تستخدم كمخصبات وأسمدة، يُسمَح باستخدامها.

العائدات المنخفضة من الزراعة العضوية بالسياق العالمي الحقيقي والتي تقل عادة عن نظيراتها من الزراعة التقليدية تفرض ضغوطا متعددة على الأرض الزراعية وتزيد من استهلاك المياه بشكل كبير

من الأسس المنطقية الأخرى التي تدفع الناس إلى شراء الأغذية العضوية أنها أكثر رأفة بالبيئة الطبيعية كما يفترض. ولكن العائدات المنخفضة من الزراعة العضوية في السياق العالمي الحقيقي والتي تقل عادة عن نظيراتها من الزراعة التقليدية بنسبة تتراوح بين 20% و50%، تفرض ضغوطا متعددة على الأرض الزراعية وتزيد من استهلاك المياه بشكل كبير.

ووفقا لتحليل مجمّع بريطاني، فإن انبعاثات الأمونيا ورشح النيتروجين وانبعاثات أكسيد النيتروز عن كل وحدة من الناتج كانت أعلى في الأنظمة العضوية مقارنة بالزراعة التقليدية، كما كانت الحال بالنسبة لاستخدام الأراضي واحتمالات النمو المفرط لإحدى المواد العضوية على حساب الأخرى والاستجابات البيئية المعاكسة لإضافة المخصبات والنفايات.

ومن الانحرافات عن كيفية تعريف "عضوي" أن التعيين لا يركز في واقع الأمر على جودة الغذاء أو استهلاكه أو سلامته، بل يتألف بدلا من ذلك من مجموعة من الممارسات والإجراءات المقبولة التي يعتزم المزارع استخدامها.

على سبيل المثال، فالمبيدات الحشرية الكيميائية أو حبوب اللقاح من النباتات المهندسة وراثيا، والتي تنبعث من حقل مجاور إلى محصول عضوي، لا تؤثر على حالة المحصول. وتقضي قواعد الولايات المتحدة بوضوح بإمكانية وصف الأغذية بأنها عضوية ما دامت "المكونات التي تحتوي على كائنات حية معدلة وراثيا دخلت إلى المنتجات عن غير قصد" ولا تتجاوز 0.9% من محتواها.

الأطفال والنساء الكادحون ضحايا الزراعة العضوية
وأخيرا، يتجاهل العديد من الذين أغوتهم رومانسية الزراعة العضوية العواقب الإنسانية المترتبة عليها. ويذكرنا المزارع الأميركي بلاك هيرست بهذا قائلا "إن الحشائش تستمر في النمو حتى في الزراعات المتعددة مع أساليب الزراعة الكلية، وفي غياب المبيدات فإن النقاوة اليدوية تصبح السبيل الوحيد لإنتاج المحاصيل". وبطبيعة الحال يتحمل النساء والأطفال غالبا الكدح المضني الذي تفرضه النقاوة اليدوية.

لا شك أن المنتجات العضوية لابد أن تظل متاحة لأولئك الناس الذين يشعرون بأنهم لابد أن يحصلوا عليها وبوسعهم أن يتحملوا ثمنها. ولكن الحقيقة البسيطة هي أن شراء الأغذية غير العضوية أعظم جدوى من حيث التكلفة، وأكثر إنسانية، وأكثر احتراما للمسؤولية البيئية.
------------------------------------------
* زميل الفلسفة العلمية والسياسات العامة بمعهد هوفر، والمدير المؤسس لمكتب التكنولوجيا الحيوية بإدارة الغذاء والأدوية بالولايات المتحدة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت