المصاب بهذه الحالة قد يلتقي بزملائه في العمل ويعجز لاحقا عن تمييزهم من خلال وجوههم (دويتشه فيله)
تخيل أنك عاجز عن التعرف على أهلك وأصدقائك من خلال وجوههم، فتراهم دون أن تدرك أنهم من عاشرتهم وأمضيت معهم أوقاتا ممتعة. وتطرح عليهم السؤال: هل التقينا من قبل؟ تلك هي أعراض عمى الوجوه المصاب به 3% من الأشخاص. 
 
ويطلق علماء النفس على هذه الحالة "عمى الوجوه" أو "عدم إدراك الوجوه"، إذ يعاني المصابون به من صعوبة التعرف على الأشخاص من خلال وجوههم، فيجدون مثلا صعوبة في متابعة الأفلام والمسرحيات، إذ يكون المرء في المشهد الثاني عاجزا عن تذكر الشخصيات التي ظهرت في المشاهد السابقة.

ولا تقف المشكلة عند حدود الأفلام الترفيهية، إذ من الوارد أن يلتقي المصاب بزملاء له في العمل ويعجز لاحقا عن تمييزهم من خلال وجوههم. أما في الحالات الشديدة من هذا الخلل، فإن المصابين يعجزون عن تصنيف الجسم الموجود أمامهم كوجه.

ويشير بروفيسور علم النفس الحيوي والذهني في جامعة بيرن السويسرية يانيك لوبماير إلى أن المشكلة في عمى الوجوه تقتصر على عدم القدرة على تمييز الأشخاص اعتمادا على الوجوه. ورغم أن السبب وراء هذا الخلل غالبا خلقي، فإن بعض الإصابات والجلطات المصيبة لأماكن محددة في الدماغ قد تؤدي أيضا إلى الإصابة به.

في الحالات الشديدة، يعجز المصابين عن تصنيف الجسم الموجود أمامهم كوجه
(دويتشه فيله)

مشكلة دماغية
ويرجع السبب في هذا الخلل إلى مشكلة دماغية في التعامل مع المحفزات، إذ يبدأ مخ الإنسان الطبيعي بتحليل الوجه ما إن يلمحه، فتنطلق المحفزات الدماغية من مناطق محددة فيه إلى الصدغ، أي المنطقة الواقعة خلف العين وأمام الأذن من كل جانب.

وتنقسم هذه المناطق الدماغية المثارة عند الالتقاء بوجه إلى ثلاث: إحداها تحلل الحركات البصرية وتعابير الوجه، أخرى تهتم بمعالم الوجه الثابتة، في حين تحاول المنطقة الأخيرة استعادة الذاكرة والمواقف المُخزّنة فيها المرتبطة بهذا الوجه.

ويوضح لوبماير أنه لا بد للمناطق الثلاث من التفاعل معا بشكل جيد -تماما كما في الجوقة الموسيقية- من أجل إتمام عملية إدراك الوجوه بنجاح. أما إذا واجه المخ خللا في هذا التفاعل، فعندها تقع المشكلة.
 
ويقدر عالم النفس انتشار صعوبة التعرف على الوجوه بثلاث حالات إصابة بين كل مائة فرد. لكنه يضيف أن العدد الحقيقي للمصابين بهذا النوع من العمى مغيبة، إذ إن كثيرين لا يدركون إصابتهم به في الأصل، فهم يربطون المشكلة بضعف في التركيز أو الذاكرة، مشيرا إلى أن إدراك هؤلاء لإصابتهم يريحهم في غالب الأحيان، إذ يتوفر لديهم حينها توضيح لمشكلتهم.

طرق بديلة
وبشكل عام لا يشكل عمى الوجوه مشكلة كبيرة في الحياة اليومية، إذ يلجأ كثيرون إلى طرق بديلة تساعدهم على التعرف على الأشخاص كطريقة المشي أو اللبس أو الصوت. وتقول سلفيا تيبمان -وهي أخصائية معلومات مصابة بهذه الحالة- إنها أثناء دراستها كانت تتعرف على زملائها وزميلاتها من خلال أحذيتهم.

وتتابع تيبمان أن هذه الخدعة فشلت في الحياة المهنية، إذ كثيرا ما يغير زملاؤها أحذيتهم، ولذلك تجرب اليوم طرقا أخرى. وحتى في حال فشل كل طرق التعرف، فإن ابتسامة لطيفة منها قد تبرر عدم قدرتها على تذكر وجه الشخص وترفع الحرج في مثل هذا الموقف.

المصدر : دويتشه فيلله