مازن النجار

خلصت دراسة أميركية إلى أهمية الانشغال والتفاعل الاجتماعي في مكافحة بدانة البشر، والتخلص من الدهون البيضاء المخزنة للسعرات الحرارية بتحويلها إلى دهون بنية تحرق الطاقة وتقلل الوزن.

أجرى الدراسة على الفئران علماء بجامعة أوهايو، ونشرت بدورية "ميتابولزم الخلية".

وجد الباحثون أنه عندما تعطى الفئران بيئة تحفزها اجتماعيا، تتحول دهونها البيضاء المخزنة للسعرات إلى بنية تحرق الطاقة. وبذلك تنفق الفئران طاقة أكثر وتفقد أوزانا حتى لو أكلت طعاما أكثر، بحسب خدمة يوريك أليرت.

تظهر الدراسة التأثيرات البالغة للبيئات الاجتماعية على عملية أيض الغذاء (البناء والهدم).

وقد دُهِش الباحثون لمستوى فقدان الدهون الذي يتجاوز ما تحققه تمرينات طاحون الدوس. فبعد أربعة أسابيع في بيئة غنية اجتماعيا، فقدت الفئران نصف دهون بطونها.

قارن الباحثون بين مجموعتين من الفئران. الأولى خاملة يتوفر لها الطعام باستمرار وقليل من رفاق اللعب، والأخرى فئران تعيش معا بأعداد كبيرة (15-20)، ولديها مساحة حركة أكبر وعجلات ومتاهات وألعاب أخرى.

الأنسجة الدهنية
يعتقد الباحثون أن الإجهاد ليس سلبيا دائما، وبعضه مفيد للصحة، بل إن البيئة الغنية اجتماعيا أكثر مشقة وإرهاقا للحيوانات لأنها تضطر للتعامل مع بعضها في بيئة أكثر تعقيدا.

وتبين أن البيئة الغنية اجتماعيا تحسن صحة الدماغ، وتعرّف بزيادة إنتاج الخلايا العصبية الجديدة وتعزيز التعلم والذاكرة وزيادة مقاومة الدماغ للإصابات. لكن المشترك بينها هو زيادة إنتاج الدماغ لـ"عامل النمو العصبي المشتق من الدماغ".

لاحظ الباحثون تغيرات بالأنسجة الدهنية للفئران النشطة اجتماعيا، فباتت أكثر رشاقة من نظيرتها في البيئة الخاملة. ووجدوا أن الأجسام الرشيقة تزداد دهونها البنية.

المعلوم أن هناك نوعان من الدهون: البيضاء والبنية، الأولى مخزن للسعرات الحرارية الزائدة وينبغي تقليلها بقدر الإمكان، بينما تحرق الأخرى الطاقة لتوليد الحرارة، وتعرف بدورها في تدفئة الصغار.

اكتشف العلماء مؤخرا احتفاظ الراشدين بدهون بنية نشطة، ويمكنهم إنتاجها لدى تعرضهم للبرد وبتنشيط الجهاز العصبي السمبتاوي. ووجدت هذه الدراسة أن البيئة الاجتماعية الأكثر نشاطا وإشغالا مسار آخر، ربما أكثر فعالية، لزيادة الدهون البنية.

الانخراط الاجتماعي
وبحسب الباحثين، يصعب عادة تحفيز الدهون البيضاء للتحول إلى بنية، بل إن أشهرا من التعرض للبرد لا تحفز التحول الذي يحققه تغيير معتدل نسبيا في بيئة الحياة الاجتماعية.

الفئران التي زاد إنتاجها من عامل النمو العصبي (المشتق من الدماغ) أظهرت أيضا زيادة بالدهون البنيّة وانخفاضا للوزن، وذلك في البيئة النشطة اجتماعيا.

ويتوقع الباحثون أن تعزز نتائجهم توجها بحثيا جديدا حول الارتباط بين العزلة واعتلال الصحة. فالعزلة عامل بالغ الأثر في الإصابة بالسرطان والوفاة، يعادل أثر التدخين. فالانخراط الاجتماعي مهم جدا للصحة.

وبالرغم من عدم الوصول لتفسير ذلك، أظهرت الدراسة أن الدهون أكثر استجابة لتغيرات البيئة الاجتماعية. وتقدم نتائجها دروسا مهمة حول أسباب وباء البدانة الراهن.

وهي لا تقتصر على المعيشة الخاملة والأطعمة عالية السعرات الحرارية، بل تشمل افتقاد الحياة الاجتماعية النشطة حيث حل الاتصال الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي محل التفاعلات الاجتماعية الحركية المباشرة.

فوائد الإجهاد
في حديث للجزيرة نت، أكدت الدكتورة نهلة الإبياري من المجلس القومي للصحة النفسية واستشاري الطب النفسي والعصبي بالقاهرة، أهمية الإجهادات المعتدلة للصحة الجيدة. بينما لا يؤدي فرط الإجهاد وانعدامه لصحة جيدة، كحال المتقاعدين الذين يُنصحَون بممارسة حياة نشطة، لتأجيل أعراض الشيخوخة.

فالإجهاد المعتدل يحفز إفراز عامل النمو العصبي وهرمونات عصبية أخرى لتجديد الخلايا وتعويض المعطوب منها بالإجهاد، بينما يدمر الإجهاد المفرط خلايا أكثر مما يتم تجديده، وانعدام الإجهاد يعطل تجديد الخلايا، فلا يتم تعويض المفقود منها طبيعيا.

وتوصي الإبياري بالفصل بين النشاط الحركي والنشاط الاجتماعي في الدراسات القادمة حتى يمكن تحديد الأسباب والآليات بدقة.

المصدر : الجزيرة