الدراسة أظهرت أن البدانة طريقة لتخزين فائض الدهون بمكانه الصحيح (الأوروبية-أرشيف)
مازن النجار
أظهرت مراجعة بحثية لباحثين بجامعة تكساس، نشرت حصيلتها مؤخرا في دورية "اتجاهات جديدة في الغدد الصمّاء والأيض"، أن البدانة هي طريقة تخزين الجسم لفائض دهونه في مكانها الصحيح، أي الأنسجة الدهنية، لحماية الأعضاء الأخرى من تأثيراتها السّمية للدهون.
 
ومعلوم أن إجمالي الأعراض المكوّنة لمتلازمة الأيض (التمثيل الغذائي)، كمقاومة الجسم للأنسولين وارتفاع مستويات الكولسترول وضغط الدم والكبد الدهنية، والتي تزيد مخاطر الإصابة بأمراض السكري والقلب والسكتة الدماغية، كلها مرتبطة بالبدانة.
 
وعندما يتجاوز فائض السعرات الحرارية قدرة الأنسجة الدهنية على التخزين، تذهب الدهون لأماكن أخرى لا ينبغي لها الوجود فيها، ويبدأ مسلسل الأعراض المعروفة بـ"متلازمة الأيض".
 
وما لم يتغير نمط المعيشة الخاملة واستهلاك الأطعمة الرخيصة العالية الدهون والكربوهيدرات، لا يرى الباحثون نهاية لوباء متلازمة الأيض، لكنهم أوردوا أدلة على دور البدانة الوقائي.
 
وقدمت التحويرات الوراثية للفئران، لزيادة وإنقاص تكوينها للدهون، الدليل على أن توليد الخلايا الدهنية بالجسم -كآلية للبدانة- يؤخر العواقب الأيضية المرضية للإفراط في الطعام، كمرض السكري، والعكس صحيح.

أي أن منع البدانة بخفض تخزين الدهون بالأنسجة الدهنية، يؤدي للإصابة بأمراض الأيض. فالفئران المحورة وراثيا لتقاوم البدانة (بمنع تخزين الدهون بالأنسجة الدهنية المخصصة لها) وُجدَ في بعض الحالات أنها أصيبت بالسكري نظرا لإفراطها في الطعام، وتراكم الدهون في الأنسجة غير الدهنية.
 
لكن هل كانت مقاومة الإنسولين سببا رئيسياً لمتلازمة الأيض أو مجرد أحد ملامحها؟ الباحثون في جامعة تكساس يعتبرونها نتيجة جانبية لترسب الدهون بالكبد والعضلات، بعد عجز مستودعات الأنسجة الدهنية عن استيعاب دهون أكثر.
 
من المنطق أن تبدأ خلايا استوعبت بالفعل دهونا كثيرة باستبعاد سكر الغلوكوز، مما يرفع مستوياته بالدم والبول، ويصبح بالتالي سببا لإنتاج دهون أكثر، أي أن البدن يفعل ما ينبغي لنا فعله: طرد السعرات الزائدة، أملا في أن يكون ذلك رداً واقياً.

في سياق التحول من البدانة الوقائية إلى متلازمة الأيض، تأتي مقاومة الجسم لهرمون الدهون "لپتين" المعروف بتأثيراته المثبطة للشهية، والمسؤول عن تكسير الدهون بالجسم. وتكون زيادة مستويات هرمون "لپتين" مع ازدياد تخزين الدهون استجابة تكيّف، لكنها لا تستمر طويلاً بعد نشوء مقاومة الجسم للهرمون.

وقاية طبيعية
ووفقا لجيناتهم، سيتمكن بعض الناس من تخزين الدهون أكثر من غيرهم، مما يساعدهم في الإفلات من أعراض متلازمة الأيض رغم زيادة أوزانهم. لكن في نهاية المطاف، سيواجه الجميع ضرورة خفض السعرات الحرارية لغذائهم.

ولدى وصول الناس سنا معينة، يصبح لدى معظمهم مقاومة لهرمون "لپتين"، وتنقطع الوقاية الطبيعية من أمراض الأيض بتجاوزهم سن الإنجاب، مما يتطلب مراقبة سعرات الغذاء والاهتمام بالنشاط البدني.

خلاصة هذه المراجعة البحثية أنه بناء على الأدلة المتاحة يبدو أن الحالات السائدة لمتلازمة الأيض والنوع الثاني من السكري تنتج عن الاستهلاك المطّرد لفائض السعرات الغذائية، وهو فائض يفاقمه فشل الخلايا الدهنية في مواصلة الوقاية من التسمم الدهني.

ويرى الباحثون أن إخفاق المؤسسات الطبية والصيدلانية في احتواء وباء البدانة ومتلازمة الأيض يشير إلى أن التخلص من السعرات الحرارية التي مصدرها الغذاء الرخيص العالي الدهون والكربوهيدرات أمر مطلوب لرفع ثمن أو تكلفة البدانة وتخليص الناس منها.
 
لكن للأسف ستكون لذلك انعكاسات اجتماعية اقتصادية تتعلق بكيفية رفع تكلفة الغذاء العالي السعرات، ويستمر في نفس الوقت تأمين حصول الفقراء على كفايتهم من الأطعمة العالية الجودة.

المصدر : الجزيرة