مازن النجار
أفادت دراسة طبية جديدة أن أحد الأسباب الرئيسية لوباء بدانة الطفولة، وهو أكثر أمراض الأطفال انتشارا، يتمثل في أن الغذاء عالي السعرات ومنخفض الألياف يعزز الاختلالات الهرمونية التي تشجع الأطفال على الإفراط في الأكل.

أجرى الدراسة الدكتور روبرت لوستغ الأستاذ والباحث بطب الأطفال الإكلينيكي بمستشفى جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ونشرت نتائجها بالعدد الحالي من مجلة نيتشر، وأصدرت الجامعة خلاصة لها أتاحتها شبكة يوريكاليرت.

وفي هذه المراجعة البحثية الشاملة لوباء بدانة الأطفال، يقول د. لوستغ إن ممارسات صناعة الغذاء قد خلقت "بيئة سامة" تؤدي بالأطفال إلى زيادة الوزن والبدانة. وأكد على أهمية التعاطي مع مفاهيم القابلية البيولوجية والمحاسبة الاجتماعية والمسؤولية الشخصية لتحقيق فروق (إيجابية) بحياة الأطفال.

مشكلات البدانة
وبناء على بيانات معاهد الصحة القومية، تضاعف عدد الأطفال الأميركيين ذوي الوزن الزائد خلال العقود الثلاثة الماضية حيث يعاني حاليا طفل واحد من بين كل خمسة من زيادة الوزن. وتسري هذه الزيادة على الأطفال والمراهقين بكل الفئات العمرية والعرقية من الجنسين.

ويلفت الباحث إلى أن أمراضا كانت بالماضي حكرا على الراشدين، مثل النوع الثاني من مرض البول السكري، يصاب بها أعداد متزايدة من الأطفال الآن.

ويلاحظ أن الأطفال ذوي الوزن الزائد هم أيضا أكثر عرضة لزيادة الوزن بسن الرشد، مما يزيد مخاطر إصابتهم بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكتات.

كذلك، يتعرض الأطفال البدناء لمضايقات اجتماعية كعدم القبول والسخرية المستفزة، بما يعرضهم لمخاطر الإصابة بالاكتئاب، والمشكلات النفسية الأخرى.

اختلالات هرمونية
يلاحظ د. لوستغ أن البيئة الغذائية الراهنة بالغرب قد أصبحت "مولدة للأنسولين" بدرجة عالية، كما يظهر من كثافة الطاقة المتزايدة (للغذاء)، والمتمثلة بارتفاع محتوى الدهون، وارتفاع مؤشر سكرية الدم، وزيادة تكوين سكر الفركتوز، ونقص محتوى الألياف والألبان.

ويرى الباحث أن الإفراط في محتوى سكر الفركتوز والافتقار إلى الألياف هما بالتحديد حجر الأساس في وباء البدانة، من خلال تأثيرهما على الأنسولين. والمعلوم منذ زمن طويل أن هرمون الأنسولين يؤثر على الدماغ، بما يحفز الرغبة في الطعام من خلال آليتين منفصلتين.

الآلية الأولى تقوم باعتراض الإشارات العصبية المنطلقة من مخازن الدهون بالجسم إلى الدماغ عن طريق تثبيط عمل هرمون ليبتين، مما يؤدي إلى زيادة تعاطي الطعام وانخفاض النشاط البدني.

في الآلية الثانية، يعزز الأنسولين الإشارة العصبية الساعية إلى الشعور بالمكافأة الناجم عن عملية الأكل وتحمله مادة الدوبامين الكيمياوية التي تجعل الشخص يرغب بالأكل للحصول على دفقة الدوبامين اللذيذة.

ويتحكم هرمون ليبتين في تعاطي وصرف السعرات الحرارية. فعندما يقوم ليبتين بوظيفته جيدا، يزيد النشاط البدني، وتقل الشهية للطعام، ويزيد الشعور بالعافية. ولكن لدى تثبيط ليبتين، يقل النشاط البدني والشعور بالعافية، وتزداد الشهية للطعام، وهي حالة تعرف بمقاومة ليبتين.

أغذية إدمان
أدت التغيرات بعملية صنع الغذاء خلال العقود الثلاثة الماضية، وخصوصا إضافة السكر إلى نطاق واسع من الأطعمة (التي لم تكن تحتويه سابقا) وإزالة الألياف منها، وكلاهما يعزز إنتاج الأنسولين، إلى خلق بيئة تجعل الأغذية مسببة للإدمان.

ويرى د. لوستغ أن الأطفال لا يلامون أو يتحملون مسؤولية شخصية تجاه سلوكهم الغذائي، عندما تكون بيئة الأطعمة المعروضة عليهم خصوصا "الأطعمة السريعة" الرخيصة الغنية بالسكر والخالية من الألياف، بيئة سامة.

فمفهوم المسؤولية الشخصية لا يمكن الدفاع عنه إزاء الأطفال. فليس هناك طفل يختار أن يكون بدينا. كما أن الأطفال غير مسؤولين عن اختيار الغذاء بالبيت والمدرسة. ولا يمكن القول بأي حال إن الأطفال في سن ما قبل المدرسة، والذين تنتشر بينهم البدانة، هم بموقع يسمح لهم بقبول المسؤولية الشخصية.

ويحذر د. لوستغ من التواني في إصلاح هذا الخلل، لأن الأطفال هم في النهاية الخاسرون.
ـــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة