مازن النجار
اكتشف باحثون أن كتلا بروتينية مطوية عشوائيا تتواجد اعتياديا في خلايا مرضى الخرف والتصلب الوحشي الضموري (ALS)، المعروف أيضا بمرض Lou Gehrig. وقد أتاحت هذه الدراسة رؤية جديدة للاضطرابات العصبية.

وكان الباحثون قد تعرفوا على بروتين مطوي عشوائيا -متكون بطريقة مغلوطة- متواجدا بشكل اعتيادي في خلايا المرضى بمرضين عصبيين مدمرين، وهما الخرف الجبهي الصدغي (FTD)، والتصلب الوحشي الضموري (ALS).

أجرى الدراسة فريق بحث دولي بمركز مرض الزهايمر بجامعة بنسلفانيا الأميركية بقيادة د. فرجينيا لي ود. جون ترويانوسكي، ونشرت بعدد 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري من مجلة "سيانس". وأصدر المعهد الوطني للشيخوخة خلاصة للدراسة، أتاحتها يوريكاليرت.

ارتباط جزيئي
تشير نتائج الدراسة إلى وجود ملامح مشتركة للعملية الباثولوجية (المرضية) بين بعض صور الخرف والتصلب الضموري، وربما أمراض عصبية أخرى أيضا.

ويرى د. ريتشارد هودز، مدير المعهد الوطني للشيخوخة، أن هذا الاكتشاف العلمي الأصيل والمثير يقدم أول ارتباط جزيئي (مشترك) بين الخرف والمرض العضلي العصبي (ALS). سيدفع هذا الاكتشاف قدما نحو فهم العمليات الباثولوجية الأساسية للخرف والتصلب الضموري، وربما الاضطرابات العصبية الأخرى.

يلفت الباحثون، ود. هودز كذلك، إلى أن فهما أفضل للعمليات المرضية الأساسية أمر هام جدا في توجيه جهود الباحثين نحو تطوير علاجات للخرف والتصلب الضموري وأمراض العطب العصبي الأخرى.

آلية مرضية مشتركة
يؤثر الخرف الجبهي الصدغي سلبا على الفصين الأمامي والصدغي للدماغ، وقد يظهر المرضى به سلوكيات تفتقر للتحكم واللياقة وتغيرا في الشخصية، وربما فقدانا للذاكرة والحركة العضلية والكلام، في مراحل متقدمة. وهذا المرض هو المسبب الأكثر شيوعا -بعد مرض الزهايمر- لخرف المسنين بعد سن 65 عاما.

أما التصلب (العضلي) الضموري، فهو مرض تصاعدي يستفحل تدريجيا في الخلايا العصبية الحركية للدماغ والحبل الشوكي التي تسيطر على حركة الإنسان. ومع مرور الوقت، يصبح المشي والأكل والكلام والتنفس أكثر صعوبة لدى المصابين بهذا المرض المهلك.

"
في بعض أمراض العطب العصبي، بما فيها التصلب الضموري وبعض صور الخرف الجبهي الصدغي، تمكن العلماء من التعرف على كتل بروتينية تتراكم في الخلايا الدماغية والعصبية
"
وبعض المصابين بالتصلب الضموري هم أيضا مصابون بالخرف الجبهي الصدغي، وبعض مرضى الأخير يصابون كذلك بالتصلب الضموري، مما يؤشر إلى وجود آلية مرضية مشتركة هي أساس نشوء هذين المرضين.

حل اللغز
وفي بعض أمراض العطب العصبي، بما فيها التصلب الضموري وبعض صور الخرف الجبهي الصدغي، تمكن العلماء من التعرف على كتل بروتينية تتراكم في الخلايا الدماغية والعصبية. بيد أن كيفية تكون كتل البروتين وما تحتوي عليه بقيت تراوغ قدرة العلماء على الفهم أو التفسير. ولطالما سعت د. فرجينيا لي ود. جون ترويانوسكي إلى حل هذا اللغز.

وبعد سنوات من البحث والمتابعة، تمكن الباحثان من التعرف على بروتين TDP-43، وهو جزء مكون للكتل التي تتشكل في خلايا مرضى التصلب الضموري والصورة الأكثر شيوعا من الخرف الجبهي الصدغي. ورغم أن دوره المحدد غير مفهوم جيدا، فإن TDP-43 له دور في العملية المركبة لنسخ وتقنين المعلومات الوراثية في نواة الخلية.

ويؤكد د. ستيفن سنايدر، خبير مسببات الأمراض العصبية، أنه لا زال هناك الكثير الذي ينبغي تعلمه حول الكيفية التي يتكتل بها البروتين النووي (الخلوي) في سايتوبلازم الخلايا، وحول الآلية التي يؤثر بها في نشوء مرضين مختلفين ومتمايزين. فمن المحتمل أن بروتين TDP-43 سيكون هو المفتاح لفهم أكثر اكتمالا لكلا المرضين.

بروتينات جنون البقر
وكان د. ستانلي بروزينر، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، قد صاغ عام 1986 لفظة "بريونة" Prion، من الأحرف الأولى لكلمات: "جزيئات بروتينية مسببة للعدوى". والبريونات هي مسبب أمراض كرويتزفلت-جاكوب، ومرض الكورو، ثم جنون البقر.

وقد أثبت د. بروزينر أن البريونات هي بروتينات توجد بصورة طبيعية على سطح فئة معينة من خلايا المخ، لكن هذه البروتينات تقوم، ولسبب غير معلوم، بطيّ نفسها بطريقة غير طبيعية، فتكتسب الطبيعة "البريونية" المعدية، أي تصبح بريونات.

هذه الطبيعة البريونية تجعل الخلايا (التي تتواجد هذه البروتينات على سطحها) تتوقف عن القيام بوظائفها الطبيعية، وفي أحيان أخرى تجعلها تقوم بوظائف أخرى مدمرة للخلية، ثم للكائن كله، وأحيانا لا تؤثر على نشاط الخلايا على الإطلاق.
__________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة