سمير شطارة- أوسلو

محمد يتوسط أباه وأمه
تنشغل الأوساط الطبية في النرويج هذه الأيام بقضية مثيرة للجدل، بطلها طفل تركي الأصل مريض بالتلاسيميا الذي يعرف عربيا بفقر دم البحر المتوسط بسبب انتشاره في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، وهو مرض وراثي يسبب فقرا مزمنا في الدم تتكسر فيه الكريات الحمراء قبل أوانها وتموت غالبا في الطحال.

برزت قضية هذا الطفل الذي يدعى محمد (ست سنوات) عندما قدّم الفريق الطبي المشرف على علاجه طلبا للحكومة النرويجية لإجراء عملية له هي الأولى من نوعها في النرويج، وفجر الطلب جدلا طبيا سرعان ما تحول إلى مناظرات علمية وسياسية وصلت إلى أروقة البرلمان النرويجي الذي أحيل إليه الأمر للبت فيه، وينتظر الفريق استثناء من البرلمان لأن القانون النرويجي يمنع إجراء مثل هذه العمليات.

يحتاج محمد للدم باستمرار للبقاء حيا. ومع منحه الدم بشكل متكرر تدخل إلى جسمه كميات كبيرة من الحديد ممّا يسبب خللا في وظيفة بعض أعضائه، لذا فإن علاجه يستلزم إخضاعه يوميا ولتسع ساعات لجهاز شفط لنسبة الحديد الفائضة في الدم. ويكلف هذا العلاج أكثر من عشرة آلاف كورون شهرياً (نحو 1300 دولار).

يقول الأطباء إن بإمكان محمد أن يتماثل للشفاء إذا نجح الفريق في العثور على خلية متممة تحمل نفس نسيجه وتنحدر من نفس الشبكة الهرمونية لفصيلته، وهذا لا يتأتى إلا عبر إجراء عملية بحث واسعة النطاق تشمل دول العالم أو أن يقوم الأبوان -اللذان يحملان المرض نفسه ولكنه غير نشط في دمهما- بإنجاب مولود سيحمل بكل تأكيد نفس التركيبة الشبكية والجنسية ولكنه قد يكون مصابا بنفس مرض محمد، ويطالب الأطباء أن يتم ذلك قبل بلوغ محمد تسع سنوات حيث إن دمه لن يستقبل بعد ذلك أي علاج من هذا النوع.

تفجر الخلاف
احتدم الخلاف إزاء هذه القضية بعد رفض وزير الصحة النرويجي داكفين هويبروتين الفكرة، واقتراحه أن ينقل محمد لإحدى الدول التي تعالج مثل هذه الحالات، وأكد أن العملية في النرويج ستكون سابقة غير مضمونة العواقب، وأنها تحتاج إلى خبرة كبيرة قد يفتقر لها الفريق الطبي النرويجي، وأشار إلى أنه مع الحفاظ على النفس البشرية وتقديم كافة الوسائل لمساعدتها شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى الإضرار بنفس بشرية أخرى.

إلا أن الفريق الطبي أبدى استعداده الفني والعلمي لإجراء العملية، وأكد البروفيسور أويستاين ماكنوس كبير الأطباء المشرفين على الحالة أنه واثق من نجاح العملية إذا تخطى عقبة القانون النرويجي. وأكد ماكنوس للجزيرة نت أن مسألة إنقاذ حياة الطفل مرهونة بقرار من وزير الصحة أو من البرلمان.

محمد بين ألعابه (الجزيرة نت)

عملية غير أخلاقية
يرى وزير الصحة أن العملية تقوم على مبدأ غير أخلاقي، إذ يراهن فريق الأطباء على فحص بويضات سليمة وتخصيبها، وإذا تم العثور على المرض في أي مرحلة من مراحل الحمل فإنه سيتم التخلص من الجنين، أي أن المسألة كلها تعتمد على فرضيات، وتساءل وزير الصحة عن الموقف إذا تم اكتشاف المرض بعد ولادة الجنين.

أما البروفيسور جان هلكه سولباك من الفريق الطبي فيعارض نقل محمد إلى دولة أخرى لصعوبة العثور على خلية تتطابق مع خلاياه، وفي حال وجودها لا يضمن الضرر الذي سيلحق بالمتبرع، ولكنه يقترح أن يقوم الأطباء بأخذ حيوان منوي من الأب وبويضات سليمة بعد اختبارها وفحصها من الأم وتخصيبها، ثم فحصها بعد الإخصاب، فإن تم التأكد من خلو العينة من المرض توضع في رحم الأم، وإن اكتشف العلماء فيما بعد أن الجنين يحمل المرض فإنه يجري التخلص منه.

وأوضح سولباك للجزيرة نت أن هذه العملية تحقق أمرين: الأول علاج محمد دون إلحاق ضرر بالمولود الجديد، والثاني أنه سيكون له أخ أو أخت بعد أن كان قد حرم من ذلك نتيجة لحمل الأبوين للمرض الوراثي.

وانقسم البرلمان إزاء هذا الأمر بين مؤيد ومعارض، ويرى المؤيدون أن العلم مسخر لخدمة البشرية وأن الزمن تغير والطب تطور ولا بد من تطوير القوانين التي وضعت في وقت كان العجز فيه سائدا، أما المعارضون فينطلقون من رأي وزير الصحة.

ويقف الأبوان سليم وآينور يولتز –وهما من أصول تركية وهاجرا إلى النرويج قبل عشرين عاماً- أمام هذا الجدل موقف العجز والحيرة، لكن الأب لم يخف عن الجزيرة نت رغبته الحقيقية في المحاولة، مؤكداً أنه يرى ابنه يموت كل يوم ويريد أن يقدم له المساعدة.
ــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة