العلاج التقليدي للاكتئاب لم يعد كافيا
وليد الشوبكي

في محاولة جديدة للقضاء على مرض الاكتئاب تم الإعلان عن تدشين مشروع بحثي موسع يهدف للوصول إلى تحديد دقيق للجينات (المورثات) المسؤولة عن مرض الاكتئاب. جاء الإعلان خلال مؤتمر حول مشروع الجينوم البشري عُقد في برلين بألمانيا منذ أيام.

ويهدف القائمون على المشروع إلى تصنيع أدوية أكثر فاعلية، بعد أن أخفقت المحاولات العلاجية على مدى العقود الثلاثة الماضية في تحقيق أي تقدم ملموس في علاج المرض، الذي يصيب حوالي 10% من سكان العالم المتقدم، ويعتبر السبب الثاني للإعاقة أو عدم القدرة على العمل في كل دول العالم.

وأوضح بيل ديكين رئيس المشروع، والباحث بجامعة مانستشر البريطانية، في تصريح لمجلة نيتشر (Nature) عدد 8 أبريل/ نيسان الجاري أنه "لن يتمكن الباحثون من صنع أدوية جديدة للاكتئاب إلا إذا اكتشفوا أولا عناصر جديدة ذات صلة بالمرض".

ويقتصر دور معظم أدوية الاكتئاب المتاحة حاليا على رفع نسبة إحدى الناقلات العصبية الموجودة في المخ، وتسمى السيروتونين (التي يُعتقد أن ثمة ارتباطا مباشرا بينها وبين الحالة المزاجية والانفعالية). ولكن هذه الأدوية ربما تستغرق أسابيع قبل أن تؤدي إلى أي نتائج، كما أنها ليست ذات فاعلية إلا مع 50% من المرضى على أحسن تقدير.

أما المشروع البحثي الجديد -والذي يحمل اسم "نيو مود" (NEWMOOD)- فيسعى إلى تفهم أعمق لمرض الاكتئاب، وبالتالي تقديم أساليب جديدة للتشخيص والعلاج، لمساعدة ما يربو على 120 مليون شخص في العالم يعانون من المرض.

ويبحث المشاركون في المشروع عن جينات (مورثات) تساعد على ظهور الاكتئاب في فئران التجارب، وبناء على النتائج التي يتوصلون إليها يمكنهم تحديد نظائر تلك الجينات في الإنسان، حيث لاحظ الباحثون أن أعراض اكتئاب تظهر على الفئران، وتقارب تلك التي تحدث في الإنسان.

بعدها سيصمم الباحثون شريحة دقيقة تحتوي على 800 جين، وهي كل الجينات التي يمكن أن تكون ذات صلة بالمرض. هذه الجينات تؤثر على الكثير من الأنشطة الحيوية كالميتابوليزم (الأيض الغذائي) والنمو وتواصل الخلايا العصبية بعضها ببعض. ثم ستقوم هذه الشريحة الدقيقة بتحديد أي هذه الجينات أكثر تأثيرا وفاعلية في حالتي الصحة أو الاكتئاب، في كل من الحيوانات والبشر.

الجديد والمهم في هذا المشروع البحثي أنه يستفيد من الكثير من الحقائق التي تم التوصل إليها عن مرض الاكتئاب عبر الأبحاث والدراسات السابقة، ومنها:

1- أن ظهور مرض الاكتئاب يتوقف على عنصرين: عنصر جيني وعنصر بيئي خارجي. فعندما تؤثر عوامل مثل الضغط النفسي والإجهاد والتوتر على شخص لديه "استعداد" جيني (وراثي)، تحدث الإصابة بالمرض.

2- أنه لا يمكن القول بأن جينا واحدا هو المسؤول عن الإصابة بالمرض، وإنما عدة جينات يؤدي تأثيرها معا إلى الإصابة بالاكتئاب. ولهذا كان توسع مشروع "نيو مود" البحثي في اختبار مجموعة كبيرة من الجينات.

ورغم أن مشروع "نيو مود" يكاد يكون الأوسع في محاولات التوصل لآفاق جديدة في علاج المرض، حيث يصل تمويله إلى 7.3 ملايين يورو، إضافة إلى مشاركة 13 مختبر أبحاث (من 10 دول) على مدار السنوات الخمس القادمة، فإنه ليس الأول من نوعه.

وقد نشرت مجلة "طب الوراثة" الأميركية في يوليو/ تموز الماضي دراسة لباحثين من جامعة بيتسبرغ تشير إلى اكتشافهما لجين له صلة بالاكتئاب، ولكنه ليس الجين الوحيد، ولا تكفي معالجته وحده للتوصل إلى أدوية ناجعة للمرض.

وفي الشهر نفسه من العام الماضي نشرت مجلة ساينس (Science) بحثا مفاده أن استجابة البشر لمواقف الضغط والتوتر تختلف وفقا لطبيعة أحد الجينات، وهو يسمى اختصارا HTT5.
_____________________
المحرر العلمي - الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة