سيكون التزاوج بين علم الأحياء وعلم الإلكترونيات الدقيقة الذي يعالج الأمراض ويتيح إنجاب أطفال حسب الطلب مصدرا لثروة جديدة تقدر بتريليونات الدولارات.

ولا تساور علماء يشاركون بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس شكوك كبيرة في أن تقنية الأجسام متناهية الصغر وعلم الجينات والإنسان الآلي ستصبح المجالات الساخنة للتطور التكنولوجي في السنوات القادمة، لكن الكثير منهم أيضا قلق للغاية من تأثير ذلك على المجتمع.

ويعود السبب في ذلك التفاؤل والقلق على حد سواء إلى خريطة وراثية بشرية حللها العلماء العام الماضي إلى شفرة وراثية رقمية مكونة من 3.1 مليارات قاعدة كيميائية.

ويقول كبير علماء صن مايكروسيستمز بيل جوي في هذا الصدد إن شفرة توضع على جهاز كمبيوتر بدلا من نسيج يوضع تحت المجهر غيرت بشكل مثير الطريقة التي يجب أن ننظر بها إلى علم الأحياء. ويضيف "هناك مغزى لتفكيك شفرة الخريطة الوراثية البشرية عام 2000، لقد جعل ذلك علم الأحياء علما معلوماتيا. والقرن الحادي والعشرون سيصبح بحق عصر المعلومات ولا أقصد بذلك الإنترنت".

وتنبأ جوي بأن قيمة الثروة التي ستوفرها هذه التقنيات الجديدة ستجعل عصر الإنترنت الذي وصفه المستثمر جون دوار ذات مرة بأنه أكبر تكون قانوني للثروة في تاريخ البشرية، يبدو قزما أمامها. وقال جوي "هذا انقلاب هائل.. يمكنه على مدى القرن القادم تكوين ثروة جديدة قدرها ألف تريليون دولار".

ويطرح رسم خريطة وراثية بشرية مجموعة كبيرة من الاحتمالات الجديدة في التعامل مع مصدر الأمراض وبشكل رئيسي السرطان. ويعتقد علماء الوراثة أن هندسة جينات الأفراد ستكون في متناول اليد قريبا. وقال مدير مركز ليبر للهندسة الوراثية الكمبيوترية في كلية طب هارفارد جورج تشيرش إن أطباء العيادات سيكونون قادرين في القريب على تتبع الجينات الوراثية للأفراد ليبدأ عصر الطب الشخصي الحقيقي. وقال "لم تعد مسألة أن تكون لدينا تقنية تمكننا من تتبع جيناتنا الوراثية في فترة غير بعيدة موضع شك".

لكن هناك أيضا مشكلات أخلاقية، فقد انقسمت بالتساوي مجموعة من السياسيين والعلماء ومهندسي الكمبيوتر والمستثمرين على هامش الاجتماعات في مواجهة مسألة ما إذا كانوا يريدون رسم خريطة وراثية لأطفال لم يولدوا ومحو الجينات "المعيبة".

لكن رئيس مؤسسة الاتجاهات الاقتصادية ومقرها الولايات المتحدة جيرمي ريفكين لا يشك في أنهم سيغتنمون الفرصة عندما تطرح نفسها. وقال "أؤكد لكم جميعا أن كل واحد سيطلب تلك الخريطة".

وقال مدير المعهد القومي الأميركي للسرطان ريتشارد كلوسنر إن هناك إمكانية كبرى لتحسين العلاج مع الثمار الأولى للبحث الوراثي الذي يأتي بأساليب جديدة للتمييز بين العشرات من أنواع السرطان المختلفة.

كما ستركز شركات التكنولوجيا الحيوية عام 2001 بشكل متزايد على قدرة الجسد على أن يعالج نفسه مستخدما خلايا الأساس وأساليب أخرى. وخلايا الأساس هي عبارة عن خلايا حاكمة غير ناضجة يمكن حثها بلطف لتشكيل أي نوع متصور من النسيج في الجسد. وقال أستاذ علم الأمراض في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية إيرفنغ فيتسمان -وهو أيضا ومؤسس شركة ستم سلز- "إن عصر استخدام الخلايا على هذا النحو لايزال في بدايته فقط". وقد نجح فريق فيتسمان بالفعل في عزل خلايا أساس مسؤولة عن تكوين الدم، وأعاد إدخالها إلى مرضى سرطان بالغين لتجديد نخاع عظام دمره العلاج الإشعاعي.

غير أن التطورات الكبرى لا تأتي فقط من الهندسة الوراثية حيث يشغل أناس أنفسهم بما يسمى جزيئات مبتلة أي حية، إذ يعمل علماء الآن كذلك على تكوين جزيئات جافة، ويستخدمون لهذا الغرض تقنية الأجسام متناهية الصغر للتلاعب بالذرات وبالتالي لتصميم مجموعة دوائر كهربائية لتشكيل جزيئات "ذكية".

وقال كبير العلماء في شركة زيروكس جون سيلي براون إن معامل الشركة تطور الآن مادة تسمى الصلصال الرقمي يمكنها تشكيل وتنظيم نفسها بنفسها. وقال وهو يعرض مكعبا صغيرا بني اللون بين أصبعيه "هدفنا هو جعل هذا في حجم حبة رمل، وفي النهاية يمكن أن يصبح جزيئا جافا".

ومع تضاعف القدرة الكمبيوترية كل 18 شهرا لابد أن تصبح أشباه الموصلات أقوى مليون مرة خلال ثلاثين عاما. ويمكن أن تصبح الجزيئات الصغيرة في يوم ما ذكية بما يكفي لأن ترتب نفسها وترتب البيئات المحيطة بها. وقال سيلي براون نقلا عن نيكولاس نجروبونت قبل عشر سنوات إننا سننتقل من عالم الذرة إلى عالم الكمبيوتر.. لكننا الآن نعود إلى زواج بين الذرة والكمبيوتر.

وقال أستاذ الكيمياء والهندسة الكيميائية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ناثان لويس إن التأثير الحقيقي لعلم الجينات هو أنه يقول لك أي أحماض أمينية في الجسم تعمل الآن، لذلك يكون في استطاعة الشخص ألا ينتظر أن يصاب بحمى ليعرف أنه مريض. وأضاف "هناك إمكانية أخرى هي مواد وأنسجة تنظم نفسها بنفسها تتفاعل مع بيئتها وتتكيف تماما مع حالات التوتر في الجسد".

ويندهش مدير المعهد الأميركي للمستقبل بول سافو من طريقة اكتشاف التكنولوجيا الحيوية والإلكترونيات الدقيقة لبعضهما، وقال ربما تكون أكبر مفاجأة هي أننا نقف عند نقطة التقاء بين الاثنين.

المصدر : رويترز