خدعة الطرح الأولي للعملة
آخر تحديث: 2018/5/16 الساعة 14:48 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/16 الساعة 14:48 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/2 هـ

خدعة الطرح الأولي للعملة

 *نورييل روبيني

أصبحت الطروح الأولية للعملة الطريقة الأكثر شيوعا لتمويل مشاريع العملات الرقمية المشفرة، التي يوجد منها الآن ما يقرب من 1600، ولا يزال الرقم في ارتفاع.

ففي مقابل الدولار أو الجنيه أو اليورو، أو أي عملة أخرى، يصدر الطرح الأولي "عملات رمزية" أو "عملات معدنية" قد تستخدم أو لا تستخدم لشراء بعض السلع أو الخدمات المحددة في المستقبل.

ليس من المستغرب إذن، وفقا لشركة ساتيس غروب لاستشارات الطرح الأولي للعملة أن يكون 81% من الطروح الأولية للعملة عمليات خداع من إبداع محتالين، ودجالين، ونصابين يسعون إلى نهب أموالك والفرار بها.

ولا عجب أيضا أن يتم تداول 8% فقط من العملات الرقمية المشفرة في البورصة، وهذا يعني أن 92% من هذه العملات كان نصيبها الفشل.

ويبدو أن الطروح الأولية للعملة لا تخدم أي غرض سوى التحايل على قوانين الأوراق المالية الموضوعة لحماية المستثمرين من التعرض للغش.

فإذا استثمرت في أحد الأعمال التقليدية (غير المشفرة)، فإنك تحصل على مجموعة متنوعة من الحقوق القانونية؛ أرباح الأسهم إن كنت من المساهمين، أو الفائدة إن كنت مقرضا، أو حصة من أصول المؤسسة في حال عجزها عن السداد أو إفلاسها.

وهذه الحقوق قابلة للتنفيذ لأن الأوراق المالية ومصدريها لا بد أن يكونوا مسجلين لدى الدول.

علاوة على ذلك، في المعاملات الاستثمارية المشروعة، يتعين على الجهات المصدرة أن تفصح عن معلومات مالية دقيقة، وخطط العمل، والمخاطر المحتملة.

وهناك قيود تمنع بيع أنواع معينة من الأوراق المالية عالية المخاطر إلا لمستثمرين مؤهلين فقط.

وهناك ضوابط تنظيمية لمكافحة غسل الأموال، وأخرى تشترط معرفة العميل لمنع التهرب الضريبي، وإخفاء المكاسب غير المشروعة، وغير ذلك من الأنشطة الإجرامية مثل تمويل الإرهاب. 

8% فقط من العملات الرقمية المشفرة يتم تداولها بالبورصة (رويترز)

تحايل
في الغرب المتوحش العامر بالطروح الأولية للعملة، يجري إصدار أغلب العملات الرقمية المشفرة في انتهاك لهذه القوانين والضوابط التنظيمية، بحجة أنها ليست أوراقا مالية على الإطلاق. وبالتالي فإن أغلب الطروح الأولية للعملة تحرم المستثمرين من أي حقوق قانونية على الإطلاق، وهي تأتي مصحوبة عموما "بتقارير رسمية" متبخرة بدل خطط عمل ملموسة.

وغالبا تكون جهات إصدارها مجهولة الهوية، ولا يمكن تعقبها، وهي تتحايل على كل الضوابط التنظيمية الخاصة بمكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي، مما يترك الباب مفتوحا أمام أي مستثمر إجرامي.

8% فقط من العملات الرقمية المشفرة يتم تداولها بالبورصة

ومؤخرا، أوضح رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات في الولايات المتحدة جاي كلايتون أنه يعتبر كل العملات الرقمية المشفرة مثلها مثل الأوراق المالية، باستثناء المحرك الأول، عملة البتكوين، التي يعتبرها سلعة.

وهذا يعني ضمنا أن حتى الإيثيريوم أو الريبل (ثاني وثالث أكبر الأصول المشفرة) يعملان حاليا كأوراق مالية غير مسجلة.

النقود تكتسب قيمتها من حقيقة مفادها أن الجميع داخل أي دولة يستخدمون العملة نفسها، فالنقود سلعة عامة تسمح للأفراد بالدخول في تبادل حر دون اضطرار إلى اللجوء إلى ذلك النوع من المقايضة غير الدقيقة وغير الفعّالة التي كانت المجتمعات التقليدية تعتمد عليها

كما أشار جاري جينسلر، الرئيس الأسبق للجنة تداول السلع والعقود الآجلة، الذي يقوم الآن بتدريس دورة حول سلسلة الكتل (التكنولوجيا التي تقوم عليها العملات الرقمية المشفرة) أشار إلى الشيء نفشه.

وعلى هذا، فإن مئات من الطروح الأولية للعملة التي جمعت المليارات من الدولارات من المستثمرين في السنوات الأخيرة كانت غير قانونية من الناحية الفنية.

والأسوأ من هذا أن نماذج العمل وراء أغلبها هو ببساطة سلب العملاء، كما أظهرت إيزابيلا كامينسكا من فايننشال تايمز ومارتن واكر من مركز الإدارة القائمة على الأدلة مؤخرا في تقرير لصالح لجنة الخزانة في مجلس العموم البريطاني.

في معاملات العمل العادية، يستطيع العملاء أن يشتروا السلع والخدمات باستخدام عملات تقليدية، ولكن في الطرح الأولي للعملة يتعين على العملاء أن يحولوا العملة التي يشترونها إلى مجمع محدود من العملات الرمزية لإتمام عملية الشراء.

ولا يستطيع المرء أن يتخيل أي عمل مشروع يسعى إلى تعظيم أرباحه قد يطالب عملاءه بالمرور عبر كل هذه الخطوات.

الواقع أن السبب الوحيد وراء قصر الشراء على حاملي العملات الرمزية هو خلق "كارتل" (اتحاد احتكاري) غير قانوني من مقدمي الخدمة الآمنين من المنافسة على السعر، والذين يسمح لهم وضعهم بابتزاز أموال عملائهم.

ولنتأمل هنا الدينتاكوين، وهي عملة رقمية مشفرة مضحكة لا يمكن إنفاقها إلا على خدمات طب الأسنان (ولا يقبلها أي طبيب أسنان تقريبا). ومن الصعب أن نخرج بتصور توضيحي أفضل للسبب وراء اعتبار كل "كارتيلات" الأعمال غير قانونية في كل دول العالَم المتحضر.

بطبيعة الحال، سترد "كارتيلات" العملات الرقمية المشفرة بأن العملاء الذين يتحملون تكلفة شراء عملة رمزية سوف يستفيدون إذا ارتفعت قيمة هذه العملة، لكن هذا غير منطقي.

فإذا ارتفع سعر عملة رمزية عن القيمة السوقية للسلعة أو الخدمة المقدمة، فلن يشتريها أحد، وعلى هذا فإن السبب المعقول الوحيد وراء فرض استخدام أي عملة رمزية هو رفع الأسعار أو غش المستثمرين.

تخيل أنك تعيش في دولة حيث تضطر بدلا من استخدام العملة الوطنية ببساطة إلى الاعتماد على مئتي عملة عالمية أخرى لشراء السلع والخدمات المختلفة. لا بد أن ينشأ ارتباك واسع النطاق بشأن الأسعار، فتضطر إلى تحمل تكاليف تحويل عملة متقلبة إلى عملة أخرى متقلبة في كل مرة تريد شراء أي شيء

تقلب الأسعار
إلى جانب تسهيل النشاط غير القانوني، تعمل العملات الرمزية المشفرة على إخفاء فوائد اكتشاف السعر التي تأتي عندما تعمل عملة منفردة كوحدة حساب.

في العالَم المثالي للعملات الرقمية المشفرة، يصبح لكل سلعة أو خدمة عملة رمزية خاصة بها، ولن يجد المستهلكون العاديون أي سبيل إلى الحكم على الأسعار النسبية للسلع والخدمات المختلفة، أو حتى المتماثلة، ولن يتكون لديهم أي يقين حقيقي بشأن القوة الشرائية للعملة الرمزية، نظرا لتقلب أسعار العملات الرقمية المشفرة.

تخيل أنك تعيش في دولة حيث تضطر بدلا من استخدام العملة الوطنية ببساطة إلى الاعتماد على مائتي عملة عالمية أخرى لشراء السلع والخدمات المختلفة. لابد أن ينشأ ارتباك واسع النطاق بشأن الأسعار، فتضطر إلى تحمل تكاليف تحويل عملة متقلبة إلى عملة أخرى متقلبة في كل مرة تريد شراء أي شيء.

الواقع أن النقود تكتسب قيمتها من حقيقة مفادها أن الجميع داخل أي دولة يستخدمون العملة نفسها. فالنقود سلعة عامة تسمح للأفراد بالدخول في تبادل حر دون اضطرار إلى اللجوء لذلك النوع من المقايضة غير الدقيقة وغير الفعّالة التي كانت المجتمعات التقليدية تعتمد عليها.

هذا هو على وجه التحديد المكان الذي يأخذنا إليه مشعوذو الطرح الأولي للعملة، ليس إلى عالَم "آل جيتسون" المستقبلي، بل إلى عالم "آل فلينتستون" في العصر الحجري الحديث، حيث تجري كل المعاملات من خلال المقايضة على عملات رمزية أو سلع مختلفة.

والآن حان الوقت لكي نفهم خطاب المدينة الفاضلة هذه على حقيقتها: محض هراء لا هدف منه سوى خدمة أغراض ذاتية وتسهيل سلب مدخرات المستثمرين السذج التي اكتسبوها بشق الأنفس.

 __________________

الرئيس التنفيذي لمؤسسة روبيني ماكرو أسوشيتس وأستاذ الاقتصاد بجامعة نيويورك.

المصدر : بروجيكت سينديكيت