كيف يستفيد العرب من الابتكارات العكسية؟
آخر تحديث: 2017/3/26 الساعة 18:14 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/28 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/26 الساعة 18:14 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/28 هـ

كيف يستفيد العرب من الابتكارات العكسية؟

لقد استقر علماء الاقتصاد على أنه يمكن تحقيق النمو الاقتصادي إما بزيادة عناصر الإنتاج أو الابتكار في تعظيم إنتاجيتها بدون زيادة في حجمها.

وفي هذا السياق، أكد جوزيف شومبيتر أن تطور المؤسسات وريادة الأعمال والتطور التكنولوجي هو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، وقال إن الرأسمالية لا يمكن فهمها إلا باعتبارها عملية متطورة من الابتكار المستمر و"التدمير الخلاق". وأضاف ألفريد مارشال أن المعرفة هي المحرك الأساسي للتطور الاقتصادي.

وذهب بول رومر إلى أبعد من ذلك عندما أكد أن زيادة رأس المال تزيد إنتاجية عناصر الإنتاج الأخرى بنسبة 30% فقط، في حين أن التقدم التكنولوجي مسؤول عن النسبة الباقية، وعليه صاغ هو وإخوانه نظرية النمو الداخلي التي ترجع النمو الاقتصادي إلى عوامل داخلية لا خارجية مثل الاستثمار في التعليم ودعم الابتكار، واتفق معهم رواد نظرية اقتصاديات الابتكار التي تؤكد على أن ريادة الأعمال والابتكار من أهم محركات النمو الاقتصادي.

أنواع الابتكارات
تنقسم الابتكارات إلى أساسية وكاسحة وعكسية، فـالابتكارات الكاسحة (Disruptive Innovations) هي ذلك النوع الذي يخلق قيمة اقتصادية أو اجتماعية جديدة تعيد هيكلة السوق القائمة وتستبدل منتجا جديدا بآخر قديم، ومنها ابتكار النقود والطباعة والكهرباء والحاسوب والإنترنت والأسواق الإلكترونية والطائرات بدون طيار وغيرها.

التقدم التكنولوجي يحدث تغييرات متسارعة في الأسواق (الأوروبية)

وللتوضيح، فإن ابتكار الحاسوب تسبب في انهيار الآلات الطابعة اليدوية، كما أن تطور وسائط التخزين الرقمية أصاب شرائط المسجل بشلل تام، كما أن تقدم الهاتف الجوال واستقواءه بتطبيقاته الخلاقة جعلا الهاتف الأرضي يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وهكذا نجد أن مثل هذه الابتكارات قادرة على محو ما قبلها من الابتكارات واحتلال مكانتها محدثة طفرة كبيرة في البنى الاجتماعية والاقتصادية وأساليب الإدارة، أما الابتكارات العكسية (Reverse Innovations) فهي سلع وخدمات ونماذج أعمال طورتها المجتمعات النامية لتلبية حاجات مواطنيها وحل مشاكلهم الملحة، ثم طورتها لاحقا وغزت بها أسواق الدول المتقدمة، وقد سخرتها كل من الصين والهند وتركيا والبرازيل وغيرها من الدول في التنمية بشكل فعال في السنوات الأخيرة.

أمثلة للابتكارات العكسية
هناك عدد كبير من الابتكارات العكسية في مجالات الطب والزراعة والصناعات الغذائية والأجهزة الإلكترونية وغيرها، منها سيارة تاتا نانو الهندية التي يجرها محرك صغير سعته 624 سنتيمترا مكعبا وتباع بنحو ألفي دولار، كما ابتكر مختار حسين ومشتاق أحمد جهازا صنع من شجر الخيزران لتوليد الطاقة من قوة الرياح، وتم تسويقه بسعر لا يتجاوز مئة دولار.

تاتا نانو أرخص سيارة في العالم (غيتي)

وعلى نفس المنوال، تم ابتكار علاج للبرد في المكسيك من عسل النحل ويسمى "فيكس هانى كوف" ونقلته شركة بروكتر آند غامبل لاحقا إلى الأسواق العالمية، وطور فرع شركة "أل جي إلكترونيكس" في الهند مكيف هواء منخفض التكلفة يستهدف الفقراء، وتم نقله لاحقا للأسواق العالمية.

وفي الصناعات الغذائية ابتكرت شركة نستله العالمية في تعليب وجبة الإندومي الهندية ونقلتها إلى الأسواق العالمية، كما نقلت شركة تاكو بيل وجبات مكسيكية مصنوعة من الفول وعرضتها بأسعار تناسب الطبقات الفقيرة في أميركا الشمالية، ومن نماذج الأعمال التي طورتها الدول النامية موقع علي بابا لتجارة الجملة الإلكترونية.

مخاطر الاستثمار في الابتكارات الكاسحة
ثمة مخاطر عدة قد تحول دون تحقيق نبوءات أصحاب النظريات التي تتكئ على الابتكار لتحقيق النمو، أولها أن تطوير الابتكارات الكاسحة يحتاج إلى استثمارات كبيرة وخبرات نادرة وإمكانيات تنظيمية عظيمة غالبا لا تتوفر في الدول النامية، وثانيها أن عملية البحث والتطوير قد لا ينتج عنها سلعة جديدة أو قد تخلق ابتكارا يفشل المخترع أو المنظمة في تحويله إلى منتج أو فرصة للأعمال، وأحيانا يتم تحويله إلى منتج يتم تداوله لفترة محدودة ثم يختفي مثل مشغل الوسائط الرقمية "أم بي 3".

ضعف القوى الشرائية للمجتمعات النامية وبساطة احتياجاتها قد لا يوفران سوقا رائجة للابتكارات الكاسحة، وعليه نجد أن الاستثمار في الابتكارات العكسية يعتبر بديلا مناسبا لتشغيل عجلة النمو في الدول العربية

وثالثها احتمال اعتراض الهيئات الرقابية عليه لاعتبارات بيئية أو أمنية، ورابعها أنه قد لا يحظى بقبول العملاء بسبب المنافسة الشديدة من المنتجات الحالية أو فشل فريق التسويق في شرح قيمته للعملاء، بخلاف الابتكارات العكسية ولا سيما الموروثة عن الأجداد جيلا بعد جيلا مثل العلاج بالأعشاب والأزياء الشعبية والصناعات الغذائية المحلية والحرف اليدوية وغيرها.

والتحدي الأكبر أن ضعف القوى الشرائية للمجتمعات النامية وبساطة احتياجاتها قد لا يوفران سوقا رائجة لمثل هذه الابتكارات، وعليه نجد أن الاستثمار في الابتكارات العكسية يعتبر بديلا مناسبا لتشغيل عجلة النمو في الدول العربية.

متاهات الابتكارات
يبدو أن القائمين على دعم الابتكار والبحث والتطوير في معظم الدول النامية قد ضلوا في متاهات كثيرة، وأولى المتاهات أن الكثير منهم خلط بين الاختراع والابتكار، فالاختراع هو إنتاج فكرة أو تصميم أو نموذج لجهاز أو منتج أو عملية أو نظام أو نموذج أعمال جديد، كما يشمل أيضا فتح أسواق جديدة أو اكتشاف موارد أو مصادر جديدة للمواد الخام أو تجديدا في الصناعة أو هيكل المنظمة، أما الابتكار فهو تحويل هذا الاختراع إلى منتج وإدخاله إلى السوق وإتمام عملية التبادل عليه ليصبح جزءا من المنظومة الاقتصادية.

المتاهة الثانية هي أنهم ركزوا على الابتكارات الكاسحة وتجاهلوا الابتكارات العكسية، والثالثة هي الاعتقاد الخاطئ بأن الابتكار يقتصر فقط على تطوير سلع جديدة، غير أنه يشمل أيضا تطوير الخدمات وعمليات الإنتاج ونماذج الأعمال والأسواق وإستراتيجيات التسويق ونظم التوريد وإدارة المعرفة وإدارة العلاقة مع العملاء وغيرها، فالابتكار في العمليات يشمل أتمتة الإنتاج (التحول إلى التشغيل الآلي)، وتوفير خدمة التعليم عن بعد، والخدمة الذاتية في ماكينات الصراف الآلي وتقديم خدمات الحكومة إلكترونيا.

شركة غوغل اعتمدت نموذج أعمال مبتكرا (رويترز)

أما الابتكار في نماذج الأعمال فيشمل نماذج شركات آبل وغوغل وباي بال وأمازون وفيسبوك، لذلك يجب عدم التركيز فقط على تطوير المنتجات، فقد بلغ دخل غوغل العام الماضي نحو 89.5 مليار دولار، في حين حصلت فيسبوك على دخل مقداره 27.6 مليار دولار محققة أرباحا مقدارها 10.2 مليارات دولار في العام نفسه.

والمتاهة الرابعة هي أنهم ركزوا على الاستثمار في الاختراع أكثر من الاستثمار بالابتكار وريادة الأعمال. وفي هذا السياق، حصلت السعودية على 364 براءة اختراع في العام 2015، والكويت على 64 براءة، ومصر على ثلاثين براءة، كما بلغ عدد براءات الاختراع المتراكمة في السودان نحو 3800 براءة بنهاية عام 2015، والسؤال هو: كيف يمكن نقل هذه الاختراعات من الأوراق إلى الأسواق؟

المتاهة الخامسة هي التركيز على الاختراع وتجاهل الإقناع، فالعامل الفصل في نجاح الابتكار هو استخدام إستراتيجيات تسويقية لإقناع الزبون بأنه يولد قيمة تعادل أو تزيد على الثمن الذي يدفعه، وتشير الإحصائيات إلى أن من 65% إلى 75% من المنتجات الجديدة تفشل في عامها الأول.

أضف إلى ذلك، أن قيمة الابتكار تختلف من شخص إلى شخص ومن دولة لأخرى، فيمكن فهم ولع أميركا باكتشاف الفضاء، أما اهتمام دولة تعاني من أزمة غذاء ودواء وكساء وماء باكتشاف الفضاء فهذا هو التيه العظيم.

الابتكارات العكسية العربية
تمتلك الدول العربية عددا من الصناعات والخدمات التي يمكن أن تغزو بها الأسواق العالمية، فمثلا تحظى الدول العربية بثروة أعشاب طبية عظيمة وإرث حضاري عريق في التداوي بها، فيوجد في السعودية -على سبيل المثال- 319 نوعا من هذه الأعشاب، ويوجد في مصر والسعودية صناعات دوائية واعدة تعتمد على الأعشاب الطبية المحلية.

يمكن غزو الأسواق العالمية بالأكلات الشعبية العربية مثل الفتة والفلافل والتبولة والكشري والكبسة والفرموزة والحنيذ والحنيني والعريكة والدبيازة وغيرها، فمن المعلوم أن المطاعم الهندية والصينية والمكسيكية واللبنانية قد غزت الأسواق الأوروبية والأميركية

وفى مثال آخر، يقبل العالم الإسلامي على الزي السعودي، ولا سيما الجلباب والعباءة النسائية، وعلى نفس المنوال يقبل زوار بيت الله الحرام على الكتب والوسائط المتعددة الدينية والألعاب وكافة السلع والخدمات الإسلامية.

وتحظى المملكة ومصر بجاهزية خاصة لصناعة برامج وألعاب الحاسوب ومحركات البحث والموسوعات الإسلامية الناطقة بالعربية فيمكن تسويق برنامج نور التعليمي السعودي (حكومي) في الدول العربية، وأقترح توسعة خدمات نظام الحج الإلكتروني ليشمل حجاج الخارج.

وبالمثل، يمكن غزو الأسواق العالمية بالأكلات الشعبية العربية مثل الفتة والفلافل والتبولة والكشري والكبسة والفرموزة والحنيذ والحنيني والعريكة والدبيازة وغيرها، فمن المعلوم أن المطاعم الهندية والصينية والمكسيكية واللبنانية قد غزت الأسواق الأوروبية والأميركية.

وفى مثال آخر يحظى السودان بمزايا خاصة للتفوق عالميا في الصناعات المعتمدة على الصمغ العربي مثل بعض الأدوية والطلاء والحبر ومستحضرات التجميل وغيرها، كما أن إنتاجه من محاصيل الزيوت يعطيه ميزة تنافسية في إنتاج الصابون والزيوت.

كما يمتلك السودان أكثر من مئة مليون رأس من الماشية، مما يجعله مصدرا أساسيا للحم الحلال في العالم والصناعات القائمة عليه، كما أن ثروته الحيوانية وأراضيه الزراعية تؤهله للتحول إلى سلة إقليمية لإنتاج الأطعمة العضوية.

السودان يمتلك ثروة من الصمغ العربي (رويترز)

لكن السودان يحتاج إلى سياسات خلاقة أو حاضنات أعمال أو هيئات تدعم الابتكار في تنمية ثروته الزراعية والخشبية والحيوانية والصناعات القائمة عليها والتجديد في تسويقها عالميا، فمثلا يمكن إنشاء موقع لتجارة الجملة الإلكترونية على شاكلة موقع علي بابا الصيني.

ما زال أعظم ابتكارات المصريين هو ما تركه أجدادهم من آثار ومقابر، لكن خلق وظائف تعتمد على هذه المقابر يحتاج إلى برامج تسويقية، خاصة للسياحة المصرية، فمثلا يمكن تبني طرق لإشراك السياح في الدعاية عن طريق منحهم هدايا تذكارية، خاصة عند مغادرتهم المطارات المصرية، كما أن عدم وجود دورات مياه عامة للنساء في مصر يعتبر أهم عقبة أمام ترويج السياحة.

وعلى نفس المنوال يمكن الابتكار في إنتاج وتعبئة الخضراوات والفواكه والتجديد في تسويق المنسوجات المصرية ذات الشهرة العالمية، فمن المحزن أن تتوقف ست دول عن استيراد الفاكهة المصرية بسبب رداءة الجودة.

أضف إلى ذلك أن كثيرا من الدول العربية لديها إمكانيات عظيمة للتميز في ما تعرف بالابتكارات المعتمدة على المكان (Position Innovations)، ومن هذه الدول السعودية ومصر وسلطنة عمان واليمن وسوريا والمغرب، كما أن الأسواق المصرية والسعودية لها ميزة عالمية خاصة، حيث يأتي العملاء (السياح والحجاج) إلى مراكز الإنتاج بعكس النماذج الأخرى التي يدفع فيها المنتج السلعة إلى مراكز الاستهلاك.

الخلاصة أن الاعتماد فقط على آليات السوق وزيادة مدخلات الإنتاج وتنمية المدخرات لا يكفي وحده لتحقيق التنمية، كما أن الاستثمار في السلع فقط والتركيز على الابتكارات الكاسحة مكلف ويحتاج إلى خبرات نادرة ومحفوف بمخاطر كثيرة، وبالتالي يمكن اعتبار الابتكارات العكسية والصناعات والخدمات الوطنية القائمة أحد الخيارات الإستراتيجية للتنمية، وفي ظل ما سبق يجب وضع سياسات وبرامج مناسبة لتنميتها وتعزيز ريادة الأعمال المرتبطة بها.

---------------------------------------
أكاديمي بجامعة الملك فيصل

المصدر : الجزيرة