كيف سيكون وضع النفط في عام 2040؟
آخر تحديث: 2017/2/7 الساعة 09:17 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/7 الساعة 09:17 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/11 هـ

كيف سيكون وضع النفط في عام 2040؟

سعد الله الفتحي

هل يمكن استقراء سوق النفط في الأمد البعيد في ضوء عدم الوضوح الذي يسود السياسة العالمية واقتصاد المجموعات الدولية المختلفة؟

المتنبئون الاختصاصيون سيقولون نعم اعتمادا على نماذجهم الرياضية المعقدة وبوضع افتراضات معقولة للخروج بمجموعة احتمالات يمكن أن يرتكز عليها صناع القرار.

بعد أكثر من سنتين من انخفاض أسعار النفط خرجت علينا الأمانة العامة لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بتقريرها السنوي "توقعات النفط العالمي 2016" الذي سندعوه اختصارا "التقرير"، والذي ظهر في وقت يشير إلى نوع من التعافي في السوق رغم أن الأسعار الحالية ما زالت نصف ما كانت عليه قبل يونيو/حزيران 2014.

السكان والاقتصاد والأسعار
يفترض التقرير زيادة سكان العالم من 7.3 إلى 9.07 مليارات نسمة بحلول 2040 وأن معظم النمو في نفوس الدول النامية حيث الحاجة الكبيرة للطاقة والنفط.

النمو السكاني سيزيد الحاجة للطاقة والنفط (الأوروبية)

كما أن من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي 3.1% سنويا، وأن تنمو الدول النامية بدرجة أعلى من الدول المتقدمة. وافترض التقرير أن سياسات الطاقة هي تلك المعتمدة والمعلنة حاليا، وأنها ستتطور بمرور الزمن، خاصة من حيث تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة والتوجه نحو الطاقات المتجددة في توليد الكهرباء.

لكن أهم الافتراضات يتعلق بسعر النفط، حيث يفترض التقرير أن السعر سيصل إلى 65 دولارا للبرميل اسميا في عام 2021 أو ستين دولارا بالسعر الحقيقي، ولكن في 2040 سيكون السعر الاسمي 155 دولارا والحقيقي 92 دولارا للبرميل.

هذا الافتراض ليس خارج المألوف، إذ علينا أن نتذكر أن السعر بلغ 140 دولارا قبل بضع سنوات. ويحذر التقرير من أن هذا "افتراض عملي" وليس مسارا محبذا أو ما سيتحقق فعلا من خلال المتغيرات في وضع السوق عالميا.

الطلب العالمي على الطاقة
بموجب الافتراضات السابقة يقدر التقرير أن الطلب العالمي على الطاقة سوف يرتفع من 273.9 إلى 382.1 مليون برميل نفط مكافئ في 2040 بنسبة نمو 1.3% في السنة، وأن النفط والغاز سيحافظان على نسبتهما الكلية البالغة 53% حاليا.

وكما هو متوقع ستكون نسبة نمو الطلب على الغاز 2.1% بالسنة أي أكثر من نسبتي نمو النفط والفحم البالغة 0.6% لكل منهما، وإن نسبة نمو الطاقات المتجددة من الشمس والريح والحرارة الجوفية ستكون 6.6% الأعلى بين الكل لأن التوجه نحو هذه الطاقات لتوليد الكهرباء لم يعد نزوة أو خيالا.

ويبقى التقرير إيجابيا بالنسبة لنمو الطلب على النفط، إذ يتوقع ارتفاعه إلى 99.2 مليون برميل يوميا في عام 2021 أي بزيادة مليون برميل عما كان متوقعا في العام الماضي بفعل استمرار انخفاض أسعار النفط، وسيستمر الارتفاع إلى 109.4 ملايين برميل يوميا في 2040 وهو ما ينقص عن توقعات العام الماضي قليلا بفعل مزاحمة الطاقات المتجددة والكهرباء.

ويبقى التقرير إيجابيا بالنسبة لنمو الطلب على النفط، إذ يتوقع ارتفاعه إلى 99.2 مليون برميل يوميا في عام 2021، وسيستمر الارتفاع إلى 109.4 ملايين برميل يوميا في 2040

وفي الفترة المبحوث عنها سينخفض الطلب في الدول الصناعية بمقدار 8.9 ملايين برميل يوميا بسبب زيادة كفاءة استهلاك السيارات وزيادة أعدادها المعتمدة على الوقود البديل من كهرباء وغاز وسوائل عضوية.

وفي المقابل، سيرتفع الطلب في الدول النامية 24.6 مليون برميل يوميا بسبب نمو اقتصادي أعلى وتوجه هذه الدول نحو التمدن ورغبة السكان باقتناء وسائط النقل الخاصة رغم أن زيادة كفاءة الاستهلاك ستصل إلى هذه البلاد ولو بدرجة أقل مما في الدول الصناعية.

مستقبل السيارات
في الطلب القطاعي سيكون نمو النفط بالدرجة الرئيسة في قطاعي النقل والبتروكيميائيات، حيث سيزداد طلبهما 9 و3.4 ملايين برميل يوميا على التوالي، إذ إن السيارات الشخصية فقط سوف تزداد من مليار إلى 2.1 مليار بين 2015 و2040، والأغلبية ستبقى على نفس الوقود السائل على الرغم من زيادة حصة السيارات المسيرة بالكهرباء والغاز إلى 22% في 2040 بدلا من 3% في 2014.

انتشار السيارات الكهربائية سيخفض الطلب على الوقود السائل (رويترز)

أما بشأن عرض النفط من خارج أوبك فيقول التقرير "سيبقى مستقرا نوعا ما في المدى البعيد ولكن ينخفض بعد 2030 فيما سيكون إنتاجه 61.4 مليون برميل يوميا في 2027 وينخفض ببطء إلى 58.9 في 2040". وسيكون الانخفاض عاما في جميع المناطق باستثناء إنتاج أوراسيا بما فيها روسيا حيث سيصل إنتاج المنطقة 17.4 مليون برميل يوميا في 2040. ومن المتوقع استعادة نمو النفط الصخري في الولايات المتحدة ليصل إلى عشرة ملايين برميل يوميا في 2029 ويبدأ بالانخفاض في 2030 ليصل إلى تسعة ملايين برميل يوميا في 2040.

حصة أوبك تزيد
وبناء على ما تقدم يقول التقرير إن إنتاج أوبك سيكون مستقرا نوعا ما من 2019 إلى 2025 بين 33.6 و33.8 مليون برميل يوميا، ثم يزداد باطراد بعد ذلك ليصل إلى 41 مليون برميل يوميا في 2040 حيث تكون حصة أوبك في العرض 37% أو بزيادة 3% عما هي عليه الآن، وهذه نتيجة مفاجئة للكثيرين.

يقول التقرير إن إنتاج أوبك سيكون مستقرا نوعا ما من 2019 إلى 2025 بين 33.6 و33.8 مليون برميل يوميا، ثم يزداد باطراد بعد ذلك ليصل إلى 41 مليون برميل يوميا في 2040 حيث تكون حصة أوبك في العرض 37% أو بزيادة 3% عما هي عليه الآن، وهذه نتيجة مفاجئة للكثيرين

هذه الصورة الإيجابية أو وسط الطريق أو الحالة الأساس التي يعطيها لنا التقرير يمكن أن تتغير سلبا أو إيجابا بفعل حركية الافتراضات في عالم تسوده المشاكل الاقتصادية والسياسية، حيث ليس هناك من يتنبأ بالمستقبل بدرجة عالية من اليقين، لذا يخصص التقرير فصلا كاملا لمناقشة التحديات والفرص التي تواجه سوق النفط.

تمثل اتفاقية باريس بشأن التغير المناخي وتحديد انبعاث غازات الدفيئة -خاصة ثاني أكسيد الكربون- تحديا كبيرا لأسواق الطاقة والنفط منها، وبينما أخذت الحالة الأساس تعهدات الدول المعلنة بالحسبان فإن من المحتمل أن تقوم بعض الدول بما هو أكثر أو أقل من تعهداتها، إضافة إلى أن دولا أخرى قد تلحق بالركب وتتبنى سياسات بيئية متشددة.

إن المساهمات الوطنية المتوخاة بالنسبة للدول المشاركة في تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة من الممكن أن تتحقق "بتحسين كفاءة استخدام الطاقة وتخفيض الانبعاثات من خلال تغيير أنواع الطاقة أو من خلال توسيع ما يمكن خزنه في الأرض"، وهذه كلها ستؤدي إلى خفض استهلاك الطاقة والنفط.

من المتوقع أن تنتج أوبك 41 مليون برميل من النفط يوميا في عام 2040 (الأوروبية)

ويقول التقرير إن هذه الاحتمالات قد تؤدي إلى انخفاض الطلب على الطاقة في عام 2040 بما بين 11 و27 مليون برميل نفط مكافئ يوميا من 382 مليونا بالحالة الأساس، وإن كل الخفض سيكون من الوقود الأحفوري، خاصة من الفحم والغاز في توليد الكهرباء.

أما الطلب على النفط فقد ينخفض بما بين 2.5 و11 مليون برميل يوميا من مستوى 109 ملايين في الحالة الأساس بموجب تحسن أكبر في كفاءة الأداء واستحواذ السيارات الكهربائية والغازية على حصة أكبر في السوق، إضافة إلى زيادة استهلاك الوقود المتجدد كالإيثانول والديزل العضوي.

ففي الولايات المتحدة فقط يزداد حجم الوقود المتجدد الذي يجب مزجه قانونا سنة بعد أخرى، حيث إن "18.11 مليار غالون كانت الحد الأدنى لسنة 2016 وإنها طفرة كبيرة من 16.93 مليار غالون المقرة في 2015" أي من 1.1 إلى 1.18 مليون برميل يوميا.

ويقول التقرير إن انخفاض أسعار النفط منذ 2014 قد "أدى إلى انخفاض واضح في الاستثمارات في عموم الصناعة النفطية"، حيث كان الانخفاض في 2015 ما يقرب من 25% مقارنة بـ2014 وإن 20% إضافية مقدرة في 2016. وقد يؤدي ذلك إلى نمو أكبر في الطلب وأقل في العرض أو دورة من الانتعاش والكساد، وهذا "غير محبذ من المنتجين والمستهلكين".

عدم اليقين
إن وضع الاقتصاد العالمي يحمل بين طياته درجة من عدم اليقين بموجب مشاكله الحالية وتوقعات النمو المتواضعة، إلا أنه في الوقت نفسه "يعطي مؤشرات إيجابية، خاصة في المدى المتوسط"، حيث الإصلاحات في الصين والهند وغيرهما "يمكن أن تعزز النمو وينسحب ذلك إيجابيا في مناطق أخرى" وعلى الطلب على النفط تبعا لذلك، كما أن حل المشاكل السياسية -خاصة في مناطق الإنتاج- سيعزز النمو الاقتصادي والطلب على النفط، طبعا لا يبدو ذلك سهلا ولكن يبقى الأمل.

وحتى العرض من خارج أوبك يكتنفه عدم اليقين كغيره سلبا أو إيجابا، وقد يكون ذلك نتيجة لواقع الاستثمار وتغير كلف الإنتاج والتقنية إضافة إلى العوامل السياسية، ولنا من تطور إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة مثال واضح عما يمكن أن تفعله القفزات التقنية.

إن تاريخ الصناعة النفطية مليء بالتقلبات التي ربما دفعت الصناعة إلى مزيد من التقدم والابتكار بما يكفي لمواجهة التحديات وانتهاز الفرص

ويستخلص التقرير أن الإنتاج خارج أوبك قد يكون بين 63.2 و55.8 مليون برميل يوميا في حالتيه الإيجابية والسلبية على التوالي مقارنة بـ58.9 مليونا في الحالة الأساس.

هذه النتيجة ستؤثر بنفس المقدار على إنتاج أوبك من النفط الخام، إذ قد يصل إلى ما بين 36.6 و44.1 مليون برميل يوميا في 2040 مقارنة بـ41 مليونا في الحالة الأساس، وهذا المدى الواسع يحتم على أوبك أن تكون منتبهة طول الوقت وتعزز تعاونها الحالي مع بعض المنتجين من خارج أوبك محافظة على استقرار السوق.

وبالنسبة للطاقات المتجددة فإن إمكانية انخفاض كلفها قد تستمر وقد تتحسن كفاءتها، وإن مسألة تقطعات إنتاجها -اعتمادا على الشمس والريح- قد تحل بتطوير أنواع جديدة من البطاريات غير عالية الكلفة، وكل ذلك سيؤدي إلى تغير في مزيج الطلب على الطاقة وتحسن فرص السيارات الكهربائية بتوفر مزيد من الكهرباء من هذه المصادر دون اللجوء للوقود الأحفوري.

في السنوات الأخيرة شرعت بعض الدول في إلغاء الإعانات بأسعار الطاقة عامة وأسعار المنتجات النفطية خاصة لتعزيز ميزانية الحكومات ووقف الهدر، وقد تفعل دول أخرى الشيء ذاته، خاصة أن انخفاض أسعار النفط منذ 2014 قد شجع دولا عديدة على معالجة هذا الموضوع المؤجل الذي نرى أن يكون تدريجيا وليس كما يريده صندوق النقد الدولي لتلافي انعكاساته السلبية على المواطنين واستقرار الدول السياسي.

هذه إذاً التحديات والفرص في سوق النفط كما يراها تقرير أوبك، وهي كبيرة ويجب ألا يستهان بها، ولعل الرسالة قد وصلت إلى وزراء أوبك لانتهاج سياسة واقعية تجاه الأسعار ومستوى الإنتاج.

وختاما نقول إن تاريخ الصناعة النفطية مليء بالتقلبات التي ربما دفعت الصناعة إلى مزيد من التقدم والابتكار بما يكفي لمواجهة التحديات وانتهاز الفرص.

----------------------------------
خبير نفط عراقي

المصدر : الجزيرة

التعليقات