ترمب يقبّل يمين آدم سميث ويعض شماله
آخر تحديث: 2017/2/15 الساعة 18:24 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/15 الساعة 18:24 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/18 هـ

ترمب يقبّل يمين آدم سميث ويعض شماله

عبد الله البريدي

ترمب = إرباك الاقتصاد
معاضدة المؤسسات المالية
مناهضة العمل خارج الحدود

الاقتصاد المعاصر كما نعلم تسيره تروس "الليبرالية الجديدة" التي ترتكز بشكل محوري على مبدأ "حرية السوق" انطلاقا من الإيمان بفكرة "اليد الخفية" (Invisible Hand) لآدم سميث والتي يزعم بأنها قادرة على تنظيم حركة السوق ذاتيا بما يوصله إلى حالة دائمة من التوازن.

هذه اليد تكفل حرية التملك والاستثمار والتجارة والاستحواذ والتنافس والاحتكار للشركات الكبرى بقوالب لا محدودة، وهذه الفكرة تستلزم فكرة أخرى، وهي "حكومة الحد الأدنى"، أي عدم تدخل الحكومة بوضع ضوابط أو تقييدات للسوق إلا في حدود دنيا وعند الضرورة، والاقتصاد الليبرالي يزعم أن ذلك كله يحقق مصالح المتعاملين في السوق، فضلا عن استمرار التطور والنمو وتراكم الثروات.

ترمب = إرباك الاقتصاد
ما الذي يعنيه قولي إن دونالد ترمب يقبّل يمين آدم سميث ويعض شماله؟ ما أقصده هو أن ترمب-على ما يبدو لنا- يدعم بعض أفكار الليبرالية الجديدة ويحارب بعضها في نهج تلفيقي، فهو لا يصدر من فلسفة أو رؤية اقتصادية إصلاحية كما في طروحات ما يسمى "البديل الثالث"، ومنها طروحات "الكينزية الجديدة" أو "الرأسمالية الاجتماعية"، والذي أتوقعه -بناء على ذلك- أن هذا النهج سيكون مربكا بشكل بنيوي للاقتصاد العالمي.

ترمب يزور مصنعا في ولاية إنديانا (رويترز)

النهج التلفيقي يعني العبث بالمكونات الداخلية للنظام الاقتصادي العالمي، هذه الحالة تشبه من يمتلك سيارة رديئة تنتج أدخنة ملوثة وأصواتا مزعجة، تسير تارة وتقف تارة أخرى، يقرر مالكها ذات يوم أن يفكك محركها بقصد إصلاحها وهو جاهل بأنظمتها وأجزائها، ولا يفهم دورات الزيت والوقود والماء والكهرباء، ولا يعرف كيف يعيد الأجزاء المفككة، فلا يظفر في نهاية يومه إلا بخيبة كبيرة قوامها كومة متناثرة من الحديد!

إذا صح هذا التشخيص فإنه يمكن القول إن ترمب -إن قدر له الاستمرار في البيت الأبيض- قد يعجل بسقوط المنظومة الاقتصادية العالمية في أزمات حادة أو خانقة، ويتمثل ذلك في ازدياد حالات التعثر والإفلاس لكبريات الشركات وحتى الركود والكساد، بل قد يكون الانهيار العظيم في عهده أو بعيده.

قد يعترض البعض فيقول إن ترمب لم يدر الأمور في البيت الأبيض لفترة طويلة حتى تصدر أحكاما أو استنتاجات خطيرة، ردي على هذا الاعتراض: الرعونة تعفيك من الانتظار.. نعم، نحن لا نحتاج لوقت طويل كي نحكم على الأرعن، أليس كذلك؟ ولهذا، أقول إنه على الرغم من قصر فترة حكم ترمب (قرابة ثلاثة أسابيع) يمكننا التقاط بعض الشواهد على نهجه التلفيقي المربك لمنظومة الاقتصاد العالمي، وليكن ذلك في وضعين متضادين، وضع مؤيد لليبرالية الجديدة، وآخر معارض لها، ومرة أخرى أشدد على أن ذلك لا يصدر من أرضية نقدية أو إصلاحية صلبة.

معاضدة المؤسسات المالية
تعد الأدوات المالية من أكثر المسائل تعقيدا من جراء الحريات المطلقة للسوق، فهي غامضة إلى أبعد حد، ولا يفهمها أكثر الناس حتى المشتغلين فيها، ومن الظريف أن اثنين من المتخصصين في الاقتصاد فازا بجائزة نوبل لعام 1997، وهما روبرت مرتون ومايرون سكولز نظير وضعهما أسلوبا جديدا لتحديد قيمة المشتقات المالية (ضمن أدوات الهندسة المالية)، وقادا الاستثمار في صناديق استثمار أميركية ضخمة إلا أنها أفلست كما في حالة صندوق "أل تي سي أم" عام 2000، وفي حالة صندوق "بي جي أي أم" عام 2008.

ومثل هذا الفشل يجعلنا نذكر بالمثل الكوري الذي يقول إن "القرد نفسه قد يسقط من فوق الشجرة" (23 حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية، تشانغ، ص 173-174).

تأييدا لليبرالية الجديدة وبعيد تسلمه الرئاسة وقع ترمب على مرسومين لإدخال تعديلات جوهرية على قانون "دود-فرانك" في محاولة لإنهاء بعض الإصلاحات التي أدخلتها إدارة أوباما على القواعد المالية بعد الأزمة العالمية 2008

هنالك قانون يسمى "دود-فرانك" (باسم عضوي الكونغرس الأميركي كريستوفر دود وبارني فرانك)، وقد صدر عام 2010 من قبل لجنة التداول بالسلع الآجلة الأميركية، ويقع في حدود 850 صفحة.

يرتكز هذا القانون على "قاعدة فولكر" التي تضبط مسارات الاستثمار لدى البنوك وتقلل من السلوك المضارب ومجالات المخاطرة في الأدوات المالية.

هذا القانون يسعى لتقليل هوامش المخاطرة الممارسة من قبل البنوك والمؤسسات المالية الأخرى من أجل جني الأرباح الطائلة بقوالب أشبه بالقمار.
والهدف الأساسي للقانون هو حماية الناس والاقتصاد من مغبة تغول هذه البنوك والمؤسسات المالية ووصولها إلى أحجام ضخمة لا يمكن معها أن تدار أو أن تترك في أوضاع قريبة من الإفلاس.

نعم، لقد غدت المصارف الكبرى بارعة في رفع الشعار المناسب لكل مرحلة، ففي أوقات الرخاء ترفع راية القوة "نحن من الأهمية بحيث لا يجوز إخضاعنا للتوجيه الحكومي"، وفي أوقات الشدة تلوذ بالتخويف "نحن كبار جدا لدرجة لا تسمح أبدا بتركنا نسقط".

تأييدا لليبرالية الجديدة وبعيد تسلمه الرئاسة وقع ترمب على مرسومين لإدخال تعديلات جوهرية على قانون "دود-فرانك" في محاولة لإنهاء بعض الإصلاحات التي أدخلتها إدارة أوباما على القواعد المالية بعد الأزمة العالمية 2008، وقال في 3 فبراير/شباط 2017 إنه سيقوم بتعديل هذا القانون، واحتج بأن هنالك العديد من الأشخاص والأصدقاء لديهم مشاريع جيدة لكنهم لا يستطيعون اقتراض أموال لأن المصارف ملتزمة بالقواعد التنظيمية الواردة في هذا القانون.

ووصف المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر القانون بأنه "كارثة معوقة (انظر: "دود-فرانك".. أصدره أوباما وانقلب عليه ترمب، الجزيرة نت، 2017/2/5).

ترمب في لقاء مع رؤساء بعض الشركات الأميركية (رويترز)

ومن الشواهد الأخرى المؤيدة لتوجهات الليبرالية الجديدة عند ترمب توقيعه مرسوما تنفيذيا ضد "قانون أوباما كير" الذي استعاد فيه المجتمع الأميركي شيئا من البعد الإنساني متمثلا في تخفيف بعض الأعباء على أولئك الذين لا يجدون طريقة لتأمين الخدمات الصحية بسبب فقد العمل ونحو ذلك.

وترمب بهذا التوجه يصغي جيدا لأحد أنبياء الليبرالية الجديدة في مناهضة برامج الرعاية الاجتماعية، وهو ميلتون فريدمان الحائز على نوبل في الاقتصاد 1976، حيث يقرر بكل وضوح بأن "دولة الرعاية الاجتماعية هي العدو، فالدولة هي التي تتسبب في شل الاقتصاد وفي تثبيط النمو" (انهيار الرأسمالية، شيفر، ص 34).

في الوضع السابق، رأينا كيف يقبّل ترمب يمين آدم سميث مقرا له بأن حرية السوق هي الضامن الأساس لتحقيق النمو الاقتصادي، ومعترضا على تدخل حكومة سلفه أوباما.

حسنا، لنقلب الصفحة لكي نرى ترمب المتقلب وهو يعض شمال سميث وربما يبصق في وجهه، وكيف مارس تدخلا حكوميا سافرا!

مناهضة العمل خارج الحدود
عمدت الشركات إلى استغلال الحريات المطلقة للسوق بغية تحقيق مصالحها باتباع كافة الأساليب التي من شأنها توسيع نطاق عملياتها وأسواقها ومبيعاتها ولو كانت على حساب بعض الفئات الاجتماعية أو حتى المجتمع بأكمله.

ومن أهم سمات الاقتصاد المعاصر اشتداد المنافسة بين الشركات، الأمر الذي يجعلها مطالبة -ضمن أشياء أخرى- باتباع إستراتيجيات ضبط التكاليف وتخفيضها من أجل المنافسة السعرية ورفع مستويات الربحية.

هذه المنافسة الشرسة دعت الشركات الكبرى إلى نقل الكثير من عملياتها وإنتاجها إلى الدول التي تتسم برخص القوى العاملة، وهو ما يوفر عليها مئات المليارات من الدولارات.

ترمب يطوح باليد الخفية للسوق ليدخل يده الغليظة المربكة عوضا عنها، هذه اليد مرشحة لا أن تخلخل الاقتصاد الأميركي فحسب، بل الاقتصاد العالمي برمته، خاصة أن ترمب لا يتكئ على أي منظور اقتصادي متماسك لإصلاح العطب في المنظومة الاقتصادية لليبرالية الجديدة

من أطلق يد الشركات في هذا المسار؟ إنها الليبرالية الجديدة، هنا نجد أن ترمب يعض يد سميث معارضا هذا التوجه الليبرالي الصرف، بحجة أن ذلك يضر بالاقتصاد الأميركي ويحرم المواطنين الأميركيين من آلاف الوظائف.

هذا الأمر دفع ترمب إلى التهديد بفرض ضرائب كبيرة (تصل إلى 35%) على الشركات الكبيرة (مثل: جنرال موتورز، لوكهيد مارتن، ديل) ما لم تعد الشركات مصانعها إلى الداخل الأميركي.

وغرد ترمب في تويتر قائلا "جنرال موتورز ترسل طراز شيفروليه كروز المصنوع في المكسيك إلى تجار السيارات الأميركيين معفى من الضرائب عبر الحدود، اصنعوها في الولايات المتحدة الأميركية أو ادفعوا ضريبة حدود كبيرة" (ترمب يهدد بفرض ضريبة كبيرة على جنرال موتورز، صحيفة الحياة، 2017/1/3).

ألا يعد هذا التوجه الترمبي تدخلا في آليات السوق وحدا من حريته؟ كيف يمكن للشركات الأميركية منافسة غيرها بعد إرغامها بإرجاع الإنتاج إلى أميركا ومن ثم ارتفاع تكاليفها، مما يهددها بالعجز عن بيع منتجاتها ومن ثم التعرض لاحتمالات الإفلاس (هذه الاحتمالات تزداد إذا أدخلنا التقدم الابتكاري للشركات الألمانية واليابانية والكورية الجنوبية مقارنة بالشركات الأميركية)؟

بمثل هذه التوجهات المتناحرة يصح منا القول إن ترمب يطوح باليد الخفية للسوق ليدخل يده الغليظة المربكة عوضا عنها، هذه اليد مرشحة لا أن تخلخل الاقتصاد الأميركي فحسب بل الاقتصاد العالمي برمته، خاصة أن ترمب لا يتكئ على أي منظور اقتصادي متماسك لإصلاح العطب في المنظومة الاقتصادية لليبرالية الجديدة بقدر ما ينطلق من توجهات غير عقلانية يشبع فيها غروره أو جنونه أو مصالحه أو كل ذلك!

---------------------------------
كاتب وأكاديمي سعودي

المصدر : الجزيرة

التعليقات