خميس بن بريك-تونس

يخشى الموظفون الحكوميون في تونس من انعكاس الأزمة المالية الراهنة على صرف رواتبهم، وحتى على مواطن رزقهم، مع إطلاق كبار المسؤولين بالبلاد تصريحات محيرة بشأن عجز الدولة عن تسيير مصاريفها الأساسية.

هذه المخاوف تغذت من تصريحات وزيرة المالية لمياء الزريبي التي كشفت الاثنين الماضي أمام البرلمان التونسي عن أن الدولة تعاني من شح بالسيولة على مستوى السوق الداخلية، وأنها محتاجة للاقتراض أكثر من الخارج.

وتفيد الوزيرة بأن إيرادات الدولة الحالية لم تعد كافية لتغطية النفقات الأساسية لتسيير الدولة، التي تتمثل في صرف أجور الموظفين الحكوميين، وتغطية المصاريف الصحية، ودعم المحروقات وبعض السلع الأساسية وغيرها.

قبلها كان وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي فاضل عبد الكافي كشف أمام البرلمان عن وجود اختلال كبير في التوازنات المالية سيدفع الدولة لاستدانة المزيد حتى تقدر على تسديد الأجور وبقية النفقات.

وأمام تفاقم الأزمة ألمح رئيس الحكومة الجديد يوسف الشاهد إلى أنه قد يُجبر على اتباع سياسة التقشف في الفترة المقبلة، مبينا أن الدولة قد تضطر لتسريح آلاف الموظفين ورفع الضرائب وخفض النفقات الصحية وغيرها.

مخاوف الطبقة الوسطى
وغذت هذه التصريحات الشعور بالخوف لدى الموظفين الحكوميين الذين يقدر عددهم بنحو 650 ألف موظف، أغلبهم من الطبقة الوسطى التي اهتزت قوتها الشرائية أمام ارتفاع الأسعار وكثرة النفقات والتداين الأسري.

صلاح الدين: المسؤولون يريدون تمرير إملاءات صندوق النقد الدولي (الجزيرة)

بشأن هذه المخاوف، يقول الموظف الحكومي الشاب عز الدين (27 عاما) -الذي يعمل بديوان الطيران المدني- "فعلا هناك قلق حقيقي لدى الموظفين من عدم قدرة الحكومة على خلاص الأجور إذا لم تتحصل على قروض".

ويضيف للجزيرة نت أن لديه شعورا بالإحباط مثل بقية زملائه جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا أن راتبه (نحو 350 دولارا شهريا) لم يعد يكفيه نتيجة غلاء الأسعار وهبوط قيمة الدينار.

ويرجع عز الدين أسباب تفاقم الأزمة بالبلاد إلى كثرة التجاذبات السياسية وتفشي الفساد والتهديدات الإرهابية، معبرا كذلك عن استيائه من ارتفاع الإضرابات بسبب ضغط اتحاد الشغل لزيادة الأجور "التي زادت من التضخم".

لكن صلاح الدين -أستاذ تعليم ثانوي- يرى أن اتهام نقابة اتحاد الشغل بإنهاك الاقتصاد "مجانب للحقيقة"، قائلا إن "الاتحاد ليس مسؤولا عن الأزمات السياسية أو عن تفشي الفساد أو إهدار المال العام أو الإرهاب".

وعن رأيه في تصريحات المسؤولين حول الوضع المالي الصعب للبلاد، يقول إنه لا يعتقد بأن الحكومة ستعجز عن صرف الأجور، معتبرا ذلك من قبيل "المبالغة لتضليل الرأي العام وتمرير أجندات مؤلمة".

ويقول إن دق ناقوس الخطر من قبل مسؤولين حكوميين بشأن عجز الدولة عن تغطية نفقاتها الأساسية "هدفه مغالطة الرأي العام لتمرير إملاءات صندوق النقد الدولي لبيع مؤسسات عمومية وخفض عدد الموظفين".

حقيقة مرة
ومن وجهة نظر المحلل الاقتصادي معز الجودي فإن مسألة اختلال التوازنات المالية للبلاد "حقيقة لا لبس فيها"، مشيرا إلى أن الحكومة ستكمل السنة الجارية بعجز مالي يتجاوز ستة مليارات دينار (ثلاثة مليارات دولار).

الجودي: عدد الموظفين في تونس هو نفسه في ألمانيا التي تفوقها في عدد السكان بثماني مرات (الجزيرة)

ويرجع سبب هذا العجز بالأساس إلى الزيادة في نفقات الدولة، لا سيما الزيادة في أجور الموظفين التي ارتفعت من 6.5 مليارات دينار (نحو 3.2 مليارات دولار) عام 2010 إلى 13.5 مليار دينار (نحو 6.5 مليارات دولار) هذا العام.

ويقول الجودي إن اختلال التوازنات جاء نتيجة رفع سقف التوظيف في القطاع العام بعد الثورة، مبينا أن عدد الموظفين في تونس (650 ألفا) هو نفسه في ألمانيا التي تفوقها في عدد السكان بثماني مرات (ثمانون مليون نسمة).

وبحسب معطيات حكومية، فقد بلغت مديونية الدولة التونسية خلال العام الجاري 56 مليار دينار (نحو 28 مليار دولار) مقابل 25 مليار دينار (نحو 12 مليار دولار) في سنة 2010، ويمثل هذا الرقم 62% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرر الحكومات المتعاقبة بعد الثورة اللجوء المطرد للاقتراض إلى ارتفاع نفقاتها مقابل انخفاض عائداتها جراء تراجع الإنتاج في قطاعات مدرة كالفوسفات والسياحة؛ مما أدى إلى تراجع معدل النمو، إذ يقدر بنحو 1.5% العام الجاري.

وخلق هذا الاختلال في التوازنات عجزا في الموازنة كان متوقعا أن يصل تقريبا إلى 3.6 مليارات دينار (1.8 مليار دولار) العام الجاري، لكن التقديرات الرسمية الأخيرة بينت أن العجز سيرتفع إلى الضعف على الأرجح.

المصدر : الجزيرة