صباح نعوش

شروط أوروبية مجحفة
استفادة خليجية منعدمة

قررت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي إعداد دراسة تتناول استئناف مفاوضات منطقة التجارة الحرة بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي المتوقفة منذ نحو ثمانية أعوام.

بلغت صادرات دول مجلس التعاون إلى الاتحاد الأوروبي 43.9 مليار يورو (48.9 مليار دولار) وبلغت وارداتها منه 111.6 مليار يورو (124.2 مليار دولار) [اليورو يساوي 1.12 دولار]. بمعنى أن الميزان التجاري الخليجي يتسم بالعجز الهائل، إذ لا تغطي الصادرات سوى ثلث الواردات. كما يتفاقم هذا العجز سنويا بسبب تباطؤ الصادرات وتزايد الواردات.

والجدير بالذكر أن الصادرات الخليجية إلى الاتحاد الأوروبي ارتفعت من 37.7 مليار يورو عام 2005 إلى 43.9 مليار يورو عام 2015، أي بنسبة 16.4% فقط. في حين ازدادت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول المجلس خلال هذه الفترة من 50.7 مليار يورو إلى 111.6 مليار يورو، أي بنسبة 120.1%.

وتحتل المواد الطاقية المرتبة الأولى في الصادرات الخليجية إلى أوروبا وبقيمة 30.1 مليار يورو عام 2015. وتتجه نحو الهبوط المستمر نتيجة تردي الأسعار من جهة والسياسة الطاقية الأوروبية من جهة أخرى.

ميناء جبل علي في دبي (أسوشيتد برس)

وتأتي الصادرات الكيمياوية والبتروكيمياويات بالمرتبة الثانية، حيث بلغت قيمتها 4.9 مليارات يورو، وهي تتجه نحو الانخفاض أيضا. وتصدر دول المجلس إلى الاتحاد الأوروبي منتجات معدنية كالألمنيوم ومعدات النقل ومواد بلاستيكية.

يبدو للوهلة الأولى أن على دول المجلس التوصل إلى اتفاق تجارة حرة مع أوروبا بهدف تحسين الصادرات. وبالفعل انطلقت المفاوضات بين الطرفين عام 1990، لكنهما لم يتوصلا إلى نتائج إيجابية لحد الآن بسبب الخلاف العميق في الهدف. فدول مجلس التعاون لا تريد سوى تحرير التجارة الخارجية السلعية من الرسوم الجمركية والقيود الكمية، في حين يهتم الاتحاد الأوروبي بالاتفاقات الشاملة التي لا تقتصر على التجارة السلعية بل تتناول أيضا تجارة الخدمات وتحرير الاستثمارات.

شروط أوروبية مجحفة
اشترط الأوروبيون أن تتحول منطقة التجارة الحرة الخليجية إلى اتحاد جمركي، أي إلى كتلة اقتصادية تتبع سياسة جمركية موحدة داخليا وخارجيا. وهكذا تأسس الاتحاد الجمركي الخليجي عام 2003. وما إن تحقق ذلك حتى سارع الأوروبيون إلى المطالبة بانضمام جميع دول المجلس إلى منظمة التجارة العالمية. وكان القصد أن توافق السعودية على تقديم تنازلات تجارية واستثمارية للدول الصناعية مقابل حصولها على عضوية المنظمة، لأنها كانت الدولة الخليجية الوحيدة خارج المنظمة. وقد تحقق هذا الشرط في عام 2005، علما بأن المنظمة لا تقيم أية علاقة بين الانضمام إليها وإنشاء المناطق التجارية الحرة. كما عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقات شراكة مع دول غير أعضاء في المنظمة مثل الجزائر ولبنان.

ويشير هذا الوضع إلى عدم رغبة الأوروبيين في إحداث منطقة تجارة حرة مع الخليجيين، خاصة وأن الواردات الخليجية من أوروبا تتزايد سنويا نتيجة الحاجة والانفتاح. ولا ينوي الأوروبيون تعديل هذا الموقف إلا إذا منحت دول المجلس امتيازات جديدة لهم، وخاصة امتلاك الأسهم في الشركات الخليجية بلا قيود. عندئذ ظهرت ضغوط أوروبية شديدة تدعو الخليجيين إلى خصخصة شركاتهم العامة، ولا سيما في قطاعي النقل والاتصالات.

هناك رغبة أوروبية في امتلاك الأسهم في الشركات الخليجية دون قيود (أسوشيتد برس)

أضف إلى ذلك إلحاح الجانب الأوروبي على إلغاء الدعم الحكومي الخليجي للأسعار والإنتاج بحجة مخالفته للاتفاقات المتعددة الأطراف لمنظمة التجارة العالمية التي وافقت عليها جميع دول المجلس، في حين يقصد من ذلك رفع أسعار المنتجات الخليجية في الداخل والخارج، فتتراجع مقدرتها التنافسية أمام السلع الأوروبية المماثلة. وهذا بالضبط عكس ما يهدف إليه الخليجيون.

ولم يكتف الأوروبيون بهذه الشروط الاقتصادية بل راحوا يتدخلون في الشأن الداخلي السياسي والاجتماعي لدول المجلس، عندما طالبوا باحترام حقوق الإنسان وتطبيق الديمقراطية. نجم عن هذا الوضع تعليق مفاوضات منطقة التجارة الحرة بقرار خليجي عام 2008.

لكن الاتحاد الأوروبي مستعد للتنازل عن هذا التدخل متى ما حصل على امتيازات استثمارية مجدية. المفاوضات لم تتوقف إذن لأسباب سياسية بل اقتصادية، لأن الجانب الخليجي كان قادرا على رفض منح تلك الامتيازات.

بيد أن عوامل عديدة ستقود قريبا إلى موافقة دول المجلس على استئناف المفاوضات، أي إلى قبول الفهم الأوروبي الشامل للاتفاقات التجارية. وفي مقدمة هذه العوامل الأزمة الاقتصادية العالمية وهبوط أسعار النفط وتراجع صادرات الصناعات التحويلية الخليجية إلى أوروبا، وحاجة دول المجلس إلى المزيد من الاستثمارات الأجنبية وحذف دول الخليج منذ مطلع عام 2014 من قائمة المعاملة التفضيلية الأوروبية وما ترتب عليه من ارتفاع أسعار الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات الخليجية من 3% إلى 6.5%.

وهكذا أعلنت مؤخرا الأمانة العامة لدول المجلس أنها بصدد تحضير دراسة حول إمكانية استئناف المفاوضات. بطبيعة الحال سيعتمد مؤتمر القمة على هذه الدراسة لاتخاذ قراره بهذا الشأن.

استفادة خليجية منعدمة
بالنظر للتباين بين الخليج وأوروبا في القدرات الصناعية والمستوى التكنولوجي والخبرات البشرية، يصب التبادل الحر بالضرورة في مصلحة الأوروبيين.

التبادل الحر يصب في مصلحة الأوروبيين (غيتي)

إن الصادرات الخليجية إلى أوروبا قليلة العدد قياسا بالصادرات الأوروبية إلى الخليج، وإن دول المجلس تعاني من عجز تجاري مزمن مع الاتحاد الأوروبي. وتحول هذه السلبيات دون استفادة الخليجيين من منطقة التبادل الحر.

هذه المنطقة لا تعني التحرير الفوري لكافة المبادلات التجارية، إذ تتضمن اتفاقات الاتحاد الأوروبي مع الدول الأخرى جداول زمنية لتحريرها. لا شك في أن ذلك سيتحقق لاحقا، لكن الهدف ليس تحرير الصادرات بل زيادتها. وليست هنالك صلة حتمية بين التحرير والزيادة، لأن تحسين الصادرات يخضع لعدة عوامل غير ضريبية.

من الزاوية العملية لم نجد دولة عربية استطاعت فعلا تنمية اقتصادها بفاعلية عالية لمجرد إبرامها اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي. فعلى الرغم من اتفاق التجارة الحرة، وضع الاتحاد الأوروبي وبصورة انفرادية قيودا لتقليص وارداته الزراعية من المغرب مما أدى إلى خسائر مغربية فادحة. وسجل العجز التجاري ارتفاعا في كل من تونس والأردن. ولم يكن التحسن الطفيف للصادرات المصرية مجانا بل كان ثمنه بيع مصارف مصرية للأوروبيين.

ومن زاوية أخرى يقود التبادل الحر بالضرورة إلى خسائر مالية تتمثل بهبوط إيرادات الميزانية العامة لانحسار حصيلة الرسوم الجمركية. فعلى افتراض أن الواردات الخليجية من الاتحاد الأوروبي تخضع لرسوم جمركية قدرها 5% حاليا، فإن الخسائر المالية الخليجية ستصل إلى 5.6 مليارات يورو في السنة. وهذا مبلغ لا يستهان به تحت ظل الحالة المالية السيئة للدول النفطية.

إن حاجة أوروبا للمنطقة الحرة تفوق حاجة الخليج لها، لأن جميع الصادرات الأوروبية إلى الخليج -وقدرها 111.6 مليار يورو- مكونة من سلع قابلة للاستفادة من الإعفاء الجمركي، في حين أن حجم الصادرات الخليجية إلى الاتحاد الأوروبي التي يمكنها الاستفادة من الإعفاء الجمركي لا يتجاوز 13.8 مليار يورو. إنها صادرات الصناعات التحويلية. أما صادرات النفط الخام فلا علاقة لها بهذه الرسوم، لخضوع منتجاته في أوروبا لنظام ضريبي خاص مكون من الضريبة النوعية والضريبة على القيمة المضافة.

وهذا يعني أيضا أن الخسائر المالية التي تتحملها ميزانيات دول الاتحاد الأوروبي (عند قيام المنطقة) لا تتجاوز 870 مليون يورو (13.8 مليار×6.3%)، أي ستتحمل دول الخليج خسائر مالية تفوق ستة أضعاف الخسائر المالية الأوروبية.

يتعين أخذ هذا التحليل بنظر الاعتبار في المفاوضات المرتقبة. أضف إلى ذلك ضرورة إنجاز منطقة التبادل الحر مع الصين التي تفوق من حيث مكانتها التجارية الخليجية جميع بلدان الاتحاد الأوروبي. كما ستدخل دول المجلس قريبا في مفاوضات لإنشاء منطقة تجارة حرة مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. وهذا التطور سيجبر الأوروبيين على إعادة النظر في حساباتهم وتعديل شروطهم. عندئذ تصبح منطقة التجارة الحرة الخليجية الأوروبية مجدية.

----------------------------
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة