عبد الحافظ الصاوي

من البشارة إلى الوعيد
مبررات واهية

الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية معياران لتقويم الأداء الاقتصادي لأي دولة أو مجتمع. وبإسقاط هذين المعيارين على واقع الاقتصاد المصري بعد الانقلاب العسكري عام 2013، نجد أن المؤشرات الاقتصادية تبرهن على سوء الإدارة الاقتصادية، ومعاناة المجتمع بشكل رئيس اقتصاديا واجتماعيا.

مؤشرات تعاملات مصر مع العالم الخارجي كلها سلبية، سواء فيما يتعلق بتجارة السلع أو الخدمات. فـميزان المدفوعات يشهد عجزا بنحو 3.5 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2015-2016، والميزان التجاري مع الخارج يعاني من عجز يقترب من 36 مليار دولار.

وكافة مجالات تجارة الخدمات تشهد تراجعا ملحوظا منذ يوليو/تموز 2013، فـعائدات قناة السويس تراجعت على مدار عامي 2014 و2015 بنحو ثلاثمئة مليون دولار، كما أن السياحة شهدت أعلى معدلات تراجع في إيراداتها لتصل إلى نحو 4.5 مليارات دولار عن فترة يوليو/تموز 2015 - مارس/آذار 2016. وحتى تحويلات العاملين بالخارج التي مثلت أحد أهم الموارد للعوائد الدولارية تراجعت في عام 2015-2016 بنحو أربعة مليارات دولار، أما احتياطي النقد الأجنبي فتحول في حقيقته إلى رصيد سالب بنحو 3.5 مليارات دولار.

وواقع المجتمع المصري اجتماعيا بعد الانقلاب العسكري أصبح انعكاسا للواقع الاقتصادي السلبي، فارتفاع الأسعار وعدم وجود توازن بينها وبين الأجور حقيقة مؤلمة للأسرة المصرية التي تدير موازنتها بصعوبة في ظل معدل للتضخم يصل إلى 14.8%، ومعدل الفقر الذي تتسع شريحته بين السكان ليصل إلى 27.8%، وهو معدل سلبي غير مسبوق في مصر. وكانت البطالة ثمرة مرة لتراجع الإنتاج في البلاد فبلغت معدلاتها 13%.

من البشارة إلى الوعيد
مع الأيام الأولى للانقلاب العسكري بمصر، داعب قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مشاعر المصريين، ووعدهم برغد العيش، وأن تصبح مصر خلال عامين في حالة اقتصادية إيجابية سوف يدهشون لها، كما لعب الإعلام على هذه البشارة. وأتت الأحداث الواحدة تلو الأخرى، بمشروعات قومية عملاقة بإصلاح 1.5 مليون فدان من الأراضي الصحراوية، وكذلك العاصمة الجديدة التي ستكلف نحو 45 مليار دولار، وقناة السويس الجديدة التي ستدر على مصر مئة مليار دولار، وكذلك الحديث عن اكتشافات للغاز الطبيعي تكفي مصر عشرات السنين.

السيسي يرى أن على الشعب أن يتحمل تكلفة الإصلاح الاقتصادي (رويترز)

ولكن الشهور الماضية كانت صادمة للمصريين، إذ أثبتت الأيام أن تلك البشارات الاقتصادية التي تحدث عنها قائد الانقلاب العسكري قد تحولت إلى كابوس اقتصادي. وصار حديث السيسي هو أن على الشعب أن يتحمل تكلفة الإصلاح الاقتصادي، وأن يدفع ثمن كافة ما يحصل عليه من خدمات عامة، حيث شدد على أنه لا يملك موارد اقتصادية أو مالية تمكنه من إعطاء الشعب أي شيء.

دائما ما صاحب حديث قائد الانقلاب العسكري ووزرائه ورؤساء حكوماته، التبرير بأن ما وقع من أداء اقتصادي سيئ خارج عن إرادتهم، وأن هناك أسبابا ومبررات اضطرتهم إلى ذلك، سواء كانت تلك المبررات داخلية أو خارجية، وكأنهم أحسنوا الإدارة الاقتصادية، وأن الثمار السيئة كانت حتمية ولا شأن لهم بها.

مبررات واهية
ثمة مجموعة من المبررات ذكرها السيسي ومسؤولوه لتبرير إخفاقاتهم الاقتصادية على مدار ثلاث سنوات مضت، على الرغم من الظروف الاقتصادية التي توفرت لهم، وكانت تسمح لهم بتحقيق نجاح اقتصادي، كحصولهم على منح ومساعدات خارجية بل وسهولة في الاقتراض الخارجي، لينطلقوا في تحقيق التنمية، ولكن هذا لم يحدث.

وتحولت تلك المنح والمساعدات والقروض إلى عبء، ليتجاوز الدين العام نسبة 120% من الناتج المحلي الإجمالي، ولتسعى مصر لاتفاق مع صندوق النقد الدولي، يكرس لمعاناة أكبر للشعب المصري اقتصاديا واجتماعيا.

تحت قيادة السيسي أبرمت الحكومة المصرية اتفاقا مع صندوق النقد الدولي (رويترز)

وقد حظي الانقلاب العسكري بسيطرة تامة على كافة مؤسسات الدولة، وانتهى دور الدولة العميقة من إفشال البرامج الحكومية، وساند الإعلام بشكل كبير هذا الانقلاب وروج لمقولاته، وبالتالي لم يكن أمامه سوى أن ينجح اقتصاديا، ولكن الواقع يبرهن على فشله بشكل كبير.

وفيما يلي نستعرض بعض هذه المبررات الواهية، التي سوقها قائد الانقلاب ومعاونوه لإخفاقاتهم الاقتصادية:

1. البعد الزمني
انتقل الخطاب الاقتصادي للانقلاب العسكري من وعده في أوائل أيامه بتحقيق الرخاء الاقتصادي في مدة عامين، إلى رؤية مصر في عام 2030، ثم مؤخرا تصريح إبراهيم محلب (رئيس الوزراء السابق والمستشار لشؤون المشروعات القومية لمؤسسة الرئاسة) الذي قال "إننا على يقين أنه بعد مضي عشر سنوات من الآن فإن مصر على الطريق الصحيح نحو مصر الجديدة"، وذلك أثناء حديثه بمؤتمر صحفي في محافظة أسوان.

وفي الوقت الذي يعتمد فيه الخطاب الاقتصادي لقائد الانقلاب العسكري وممثليه على مد الأفق الزمني، يجد المواطن المصري نفسه أمام تحديات جديدة وواقع فساد أوسع مما كان عليه المجتمع من ذي قبل، مما يفقده الثقة في تلك الوعود، ويجعله يتمنى بقاء الحال على ما هو عليه من سوء، لأن القادم أسوأ.

2. وهم الخارج
لم ينس المصريون حملات التبشير بمشروع توسعة قناة السويس "مصر بتفرح" في الشهور الأولى لتولي قائد الانقلاب رئاسة الجمهورية، ولا مليارات الدولارات التي وعد بها الشعب المصري عبر مؤتمر شرم الشيخ في مارس/آذار 2015، ثم كانت المحصلة أن تحولت توسعة القناة إلى عبء على الموازنة العامة للدولة بنحو 7.5 مليارات جنيه (844 مليون دولار) كفوائد للقرض، فضلا عن تراجع إيرادات القناة، وكذلك مليارات مؤتمر شرم الشيخ انتهت إلى 18 مليار دولار كقروض لتنفيذ مجموعة من مشروعات البنية الأساسية وبخاصة في مجال الكهرباء، ولا يعلم حتى الآن ما نفذ منها، وما هي تكلفتها الحقيقية.

لقد أصبح الخارج في خطاب الانقلاب العسكري هو المخرج من خلال الاستثمارات الأجنبية، أو تشغيل القناة، أو تنمية محور القناة الذي عرض على أنه من أكبر المشروعات اللوجستية في المنطقة، في حين أن الحكومات المصرية بعد الانقلاب تبنت كل ما يسيء لمناخ الاستثمار في مصر، من رفع تكلفة الإنتاج، وافتقاد الشفافية، وترسيخ الروتين، وغياب دولة القانون.

البنوك المصرية طرحت شهادات بعائد مرتفع لتمويل توسعة قناة السويس (الأوروبية)

3. استدعاء الماضي
خطاب السيسي مؤخرا بالإسكندرية، وتوصيفه لأسباب أزمة مصر الاقتصادية برفض الشعب المصري لخطة الإصلاح الاقتصادي في عام 1977، هو نوع من الهروب إلى الماضي، فالتحدي وحالة النجاح أن يقدم برنامج عمل.

وقد استدعى أيضا في حديثه انفراجة في أزمة الديون الخارجية في مطلع التسعينيات بتخفيض ديون مصر الخارجية بنحو 43 مليار دولار، في حين حصل هو على مثل هذا المبلغ أو أكبر منه في ظروف أفضل من مطلع التسعينيات، ومع ذلك تسوء حالة الاقتصاد المصري.

ففي مطلع التسعينيات خصمت الأموال من المنبع من قبل الدائنين، أما السيسي فحصل على هذه الأموال نقدا، ولم يوجهها إلى مسارات إنتاجية تخرج مصر من أزمتها الحقيقية، بل تم توجيه بعضها لسد عجز الموازنة والإنفاق الجاري، والكثير منها لا يُعلم وجه إنفاقه.

4. شماعة السكان
الزيادة السكانية هي شماعة كل الحكومات المصرية منذ السادات وحتى قائد الانقلاب العسكري. وفي النصف الثاني من الثمانينيات ناقش خبراء الاقتصاد والتنمية هذه القضية، وخلصت معظم الدراسات إلى نتيجة مفادها أن مصر تعاني من أزمة تنمية وليس أزمة سكان. ومن أشهر ما كتب في ذلك كتاب الدكتور إبراهيم العيسوي "أزمة سكان أم أزمة تنمية"، وكذلك بحث الدكتور أحمد الصفتي "دعونا نزرع الحَب والحُب".

وخارج نطاق التجربة المصرية مثلت تجربتا الهند والصين إدانة لكل حكومات العالم النامي، حيث تمكنت هاتان التجربتان من حسن توظيف الموارد البشرية، وتحويل الزيادة السكانية من نقمة إلى نعمة.

5. حديث المؤامرة
لم يخل الخطاب الاقتصادي للانقلاب العسكري من الحديث عن مؤامرة تدبر ضد مصر في الداخل والخارج لتكريس الأزمة الاقتصادية. وظهر هذا الحديث بوضوح عقب الترهل الأمني بالمطارات وتفجير الطائرة الروسية، وكذلك حادثة طائرة مصر للطيران القادمة من باريس، لتصاب السياحة في مصر بانتكاسة لا تزال تعاني منها.

كما تحدث السيسي غير مرة عن إخفائه مجموعة من الإنجازات والمشروعات مخافة أن يفسدها "أهل الشر". والحديث عن مؤامرة ضد مصر من الخارج لا يستوعبه عقل، لأن مصر في وضعها الاقتصادي الحالي لا تمثل منافسا تخشى مواجهته في السوق الدولية، كما أن الانقلاب العسكري قد أمسك بتلابيب مؤسسات الدولة، وقلص دور القطاع الخاص، وأصبح المتحكم في مقدرات الاقتصاد القومي، وبالتالي لا يحتمل أن يتوفر لقوى سياسية أو اقتصادية تدبير مؤامرة داخلية للإضرار بالاقتصاد القومي.

من الأهمية بمكان أن نفسر سلوك الإدارة الاقتصادية الفاشلة للانقلاب العسكري في مصر، وسوقها لمجموعة من المبررات لإخفاقها، بغياب الرؤية الاقتصادية، وتجنيب المؤسسات لدورها التخطيطي والرقابي، وكذلك سيطرة الجيش على مقدرات الحياة المدنية، وفي القلب منها الأنشطة الاقتصادية.

-----------------------
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة