على الرغم من انخفاض أسعار النفط فإن الشركة العربية للاستثمارات البترولية (أبيكورب) تتوقع انطلاق المزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحكم تنامي الاستهلاك الداخلي من جهة، ورغبة الدول المصدرة للنفط والغاز في الحفاظ على طاقاتها الإنتاجية وصادراتها من جهة ثانية.

هذا ما يدل عليه تقرير أبيكورب الصادر في أبريل/نيسان 2016 بعنوان "توقعات الاستثمار في الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. خطط كبيرة في أوقات عدم اليقين"، الذي أوجز المشاريع قيد التنفيذ وتلك المخطط لها في قطاع الطاقة والمبالغ المتوقع صرفها من الآن وحتى نهاية عام 2020 في المنطقة.

وأبيكورب هي "بنك تنموي متعدد الأطراف أسس في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1975 بموجب بنود اتفاقية موقعة من عشرة أعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)" للمساهمة في تنمية قطاع النفط والغاز والطاقة "بتقديم الحلول المالية كالمساهمة في الاستثمارات وتقديم القروض والبحوث."

ومنذ إنشاء أبيكورب ساعدت في تمويل عدد كبير من المشاريع المهمة في البلاد العربية وأثبتت أنها من أنجح الشركات العربية المشتركة في السعي لتنمية الدول العربية وتكاملها الاقتصادي. وهكذا ازداد رأسمالها المكتتب باضطراد ليبلغ ملياري دولار، بواردات كلية 162 مليون دولار عام 2015 وبأصول ثابتة أكثر من 5.6 مليارات دولار.

وضع الاقتصاد العالمي
وقد وضعت أبيكورب تقريرها بمراعاة وضع الاقتصاد العالمي واقتصاد المنطقة إضافة إلى تطور أوضاع السوق النفطية. وخلصت إلى أن "المنطقة ستدفع باستثماراتها في مشاريع الطاقة الحاسمة بالرغم من عدم اليقين وضبابية توقعات الاستثمار في المنطقة"، ولو أنها تعترف بوجود تحديات عديدة كأسعار نفط منخفضة وصراعات وعدم استقرار، تؤثر في المستقبل الاقتصادي و"ترمي بثقلها على الاستثمارات المخططة".

دول الخليج تتعرض لضغوط مالية بسبب انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014 (رويترز)

وكان صندوق النقد الدولي قد خفض من توقعاته بشأن نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.4% لعام 2016 و 3.6% لعام 2017، أي بتخفيض 0.2 نقطة عما كانت عليه التوقعات في أكتوبر/تشرين الأول 2015، بسبب تباطؤ النمو في الصين وخفض توقعات النمو في الولايات المتحدة الأميركية بسبب التشدد في السياسة النقدية وقوة الدولار والانخفاض الكبير في استثمارات النفط والغاز هناك.

أما بالنسبة لمصدري النفط فإن انخفاض الأسعار الحاد منذ عام 2014 يعرضها إلى ضغوط مالية بسبب العجز الكبير في ميزانياتها -حتى الذين يمتلكون احتياطيا ماليا- مما يجبرها على تعديل مسارات الصرف.

وإذ أثرت أسعار النفط المنخفضة سلبا على المصدرين فإن تأثيرها على المستهلكين كان أقل من المتوقع بسبب انخفاض الاستثمارات في تلك الدول وزيادة البطالة كما جاء أعلاه. أما اقتصاد المنطقة فتقول الدراسة "إن معدلات النمو قد خفضت إلى 3.6% لكل من عامي 2016 و2017 من 3.9% و4.1% سابقا للسنتين المذكورتين".

ومن الطبيعي أن تتأثر الدول ذات الاحتياطي المالي الكبير كـ السعودية والإمارات والكويت بدرجة أقل من تلك الدول التي ليس لديها مثل تلك الاحتياطات كـالجزائر والعراق ومصر. ولكن الجميع خفضوا الصرف الحكومي وشرعوا بإصلاحات تستهدف أسعار الطاقة.

حركة أسعار النفط
ولا تختلف رؤية أبيكورب حول سوق النفط والغاز عن تلك المطروحة بصورة عامة في التحليلات المتخصصة من حيث بقاء أسعار النفط مضغوطة مع استمرار عدد من المنتجين بزيادة الإنتاج مثل العراق والسعودية، وإيران بعد رفع العقوبات عنها. وإذ تستعيد سوق النفط توازنها فإن تعافي أسعار النفط قد يأتي بسبب "الخفض الحاد للاستثمارات وأبراج الحفر في أغلب مناطق العالم بشكل يؤثر في الإنتاج". وترى الشركة أن "انخفاض عدد أبراج الحفر العاملة في الولايات المتحدة قد أدى إلى تحول شركات إنتاج النفط الصخري من نمط زيادة نمو الإنتاج إلى العمل ضمن التدفق النقدي الممكن"، وأن من المتوقع انخفاض إنتاج الولايات المتحدة هذا العام والذي يليه وأن "انخفاض إنتاج الحقول الطبيعي في العالم سوف تتسارع حدته".

إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة تراجع بسبب انخفاض الأسعار (أسوشيتد برس)

ويقول التقرير "نحن ما زلنا نتوقع نمو الطلب على النفط بشكل قوي -بأكثر من مليون برميل يوميا بالسنة- بسبب استمرار انخفاض الأسعار. ولكن مثل هذا النمو لن يكون كافيا لموازنة السوق، ويجب تعديل العرض وخفض المخزونات، وإلا فإن أسعار النفط ستبقى ضعيفة نسبيا.

وبالنسبة لأسعار الغاز فإنها تأثرت بـ "انخفاض أسعار النفط وضعف الطلب وزيادة العرض" حيث إن "الطلب كان مخيبا للآمال ومتمثلا بانخفاض استيرادات الغاز المسال خاصة في آسيا وأيضا في أوروبا وأميركا الجنوبية". وفي اليابان أدت إعادة تشغيل بعض محطات الكهرباء النووية إلى إزاحة الغاز المستخدم في توليد الكهرباء. وهكذا انخفضت أسعار الغاز المسال لتصل إلى سبعة دولارات/مليون وحدة حرارية بريطانية، و"الأسعار مرشحة للبقاء تحت ضغط دخول منتجين جدد وضعف الطلب".

مشروعات الطاقة بالمنطقة
وبموجب ما ورد أعلاه يقول التقرير إن "289 مليار دولار بالتمام قد خصصت لمشاريع قيد الإنشاء حاليا بالإضافة إلى 611 مليارا للمشاريع قيد التصميم والتخطيط"، أي أن المجموع يصل إلى تسعمئة مليار دولار في المنطقة، رغم أن "وكالة الطاقة الدولية تقول إن الاستثمارات العالمية في النفط والغاز قد انخفضت 20% عام 2015 مقارنة بحجمها عام 2014".

مراسم توقيع عقود مصفاة الزور بالكويت في أكتوبر/تشرين الأول 2015 (الأوروبية)

وتنقسم تخصيصات المشاريع قيد الإنشاء إلى 110 مليارات دولار للنفط و76 مليارا للغاز و81 مليارا للكهرباء و22 مليارا للبتروكيماويات. أما تخصيصات المشاريع المخططة فتنقسم إلى 194 مليار دولار للكهرباء و190 مليارا للنفط و149 مليارا للغاز و78 مليارا للبتروكيماويات.

ويقول التقرير إنه ليس من المتوقع تحول كامل المشاريع المخططة إلى مشاريع قيد الإنشاء، وخاصة أن هناك ما قيمته 262 مليار دولار لمشاريع قيد الدراسة. ولكن المشاريع التي قد تتحول فعلا إلى قيد التنفيذ تشمل 117 مليار دولار لمشاريع قيد الإحالة، و66 مليارا لمشاريع قيد التصاميم الهندسية.

ويقدم التقرير تفاصيل عن كل مشروع في كل بلد وكل قطاع، سواء كان ذلك للمشاريع قيد التنفيذ أو تلك المخططة. فمن المشاريع الرئيسة قيد الإنشاء مصفاة ومحطة الكهرباء في جيزان ومجمع غاز الفاضلي في السعودية، ومشاريع تكميلية في إنتاج ومعالجة النفط والغاز في إيران والعراق، ومشروع تطوير حقل زاكوم الأعلى ومحطة البركة النووية في الإمارات، ومصفاة الزور وتحلية المنتجات النفطية في الكويت، وتطوير حقول غاز جديدة في مصر، وهكذا.

ومن أمثلة المشاريع قيد التخطيط نشير إلى توسيع مشروع الحصبة لمعالجة الغاز الحامض ومحطة طيبة الشمسية المركبة في السعودية، وتطوير حقل غاز ظهر في مصر، ومصفاة الفجيرة في الإمارات، والتطوير الإضافي لحقل حاسي مسعود ومصفاة غرداية في الجزائر، ومصفاتين وعدد من محطات الكهرباء في العراق، ومصفاة دقم ومجمع ليوا للبتروكيماويات في سلطنة عمان، وتوسيع مصافي البحرين، ومشاريع الطاقات المتجددة في المغرب والأردن.

وتبقى التحديات كبيرة وقائمة بسبب ارتباط الاستثمارات بشكل كبير بأسعار النفط. فأما الدول التي لها احتياطي نقدي كبير فستمضي قدما في تنفيذ مشاريعها، بينما ستتأخر الدول الأخرى إلا إذا وجدت بطريقة ما مصادر تمويل خارجية.

ويختتم التقرير بأن عدم الاستقرار في المنطقة يؤدي إلى زيادة المخاطر الجيوسياسية و"توقف الاستثمارات عند حدها في المدى القصير".

وما علينا إلا أن نأمل بأوقات أفضل مستقبلا لكي تجد كل هذه المشاريع المرغوبة وغيرها سبيلا للتنفيذ.

---------------------
* خبير نفطي عراقي

المصدر : الجزيرة