تحقيق حالة التوازن أو الاقتراب منها هو مؤشر النجاح للسياسات الاقتصادية. وتعد العلاقة بين الدخول والأسعار من أبرز قضايا الاقتصاد التي لها انعكاسات اجتماعية. فكلما كانت هذه العلاقة متوازنة، أدى ذلك إلى الاستقرار الاجتماعي والبعد عن الممارسات السلبية التي يلجأ إليها الأفراد لتدبير دخول بطرق غير مشروعة لملاحقة الزيادة في الأسعار.

ويعيش المجتمع المصري حالة من الصراع في إطار العلاقة بين الدخول والأسعار، حيث تعجز دخول شريحة كبيرة من الأفراد عن الوفاء باحتياجاتهم، وذلك نتيجة للسياسات الاقتصادية المتبعة منذ الانقلاب العسكري، التي أدت إلى تأجيج معدلات التضخم، من خلال زيادة تكاليف الإنتاج، أو زيادة عرض النقود عن طريق الطباعة بدون رصيد من الذهب أو العملات الأجنبية، فضلا عن التضخم المستورد نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات، بسبب انخفاض قيمة الجنيه المصري.

وحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغ معدل التضخم في يوليو/تموز الماضي 14.8% على أساس سنوي، في حين أن الزيادة في الأجور الأساسية للعاملين بالحكومة لم تتجاوز 10% في أحسن الأحوال.

التراجع الاقتصادي أدى إلى ارتفاع أسعار شتى السلع (الجزيرة)

وتأتي الزيادة الأخيرة التي قررتها الحكومة على أسعار استهلاك الكهرباء للاستخدامات المنزلية أو الأغراض التجارية أو الصناعية، لتعمق الفجوة بين الدخول والأسعار، حيث يتوقع أن تؤدي هذه الزيادة إلى ارتفاع في المستوى العام للأسعار يتراوح بين 20% و25%.

ولا تعد الزيادة في رسوم الخدمات العامة هي العامل الوحيد في اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، ولكن ما تعيشه مصر على مدار السنوات الماضية من خلل في مواردها من العملات الأجنبية، فاقم من معدلات التضخم بشكل كبير.

وينتظر بعد إتمام اتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولي حول حزمة التسهيلات الائتمانية أن تشهد الأسعار ارتفاعات متتالية، فضلا عن حالة من تراجع الإنفاق الحكومي، بسبب تقليص مخصصات الدعم، وتراجع الإنفاق على الخدمات، ما سيؤدي إلى انكماش اقتصادي بالسوق المصري.

مظاهر الفجوة بين الدخول والأسعار
حسب بيانات مسح الدخل والإنفاق للأسرة المصرية لعام 2015، الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نجد أن الأسرة المصرية تحصل على نسبة 20.5% من دخلها من خلال التحويلات، وهي عبارة عن مساعدات، سواء من خلال برامج الدعم الحكومي، خاصة دعم السلع التموينية، أو مساعدات الجمعيات الخيرية وأموال الزكاة.

ويبلغ متوسط ما تحصل عليه الأسرة المصرية من مساعدات عينية سنوية 943 جنيها (106 دولارات)، ومتوسط ما تحصل عليه من دعم سلع تموينية خلال العام أيضا 858.1 جنيها، أي أن مجموع ما تحصل عليه الأسرة من مساعدات عينية نحو 1801 جنيه.

منفذ لبيع السلع التموينية المدعومة في القاهرة (أسوشيتد برس)

ويظهر المسح نفسه أن نسبة الفقراء في مصر وصلت إلى 27.8%، يعجزون عن الوفاء بمتطلبات معيشتهم الأساسية، وهي النسبة العليا للفقر في مصر منذ عام 2000. وبذلك انضم لشريحة الفقراء 1.5 مليون مواطن في عام 2015، بسبب التراجع في معدلات أداء الاقتصاد المصري.

وتنقسم الدخول في مصر إلى نوعين؛ الدخول الثابتة وأصحابها هم العاملون في الحكومة والقطاع العام ويبلغ عددهم نحو سبعة ملايين فرد، والقطاع الخاص المنظم وغير المنظم ويمثل هؤلاء نسبة 58% من سوق العمل.

وفي حين يحصل العاملون بالحكومة والقطاع الخاص المنظم على زيادة في أجورهم الأساسية بحكم قانون العمل بحدود 7% سنويا من أجورهم الأساسية دون المتغيرة، نجد أن العاملين بالقطاع الخاص غير المنظم لا يحصلون على هذا الحق الضعيف وغير الكافي لمواجهة الزيادة في معدلات الأسعار.

ولم تفلح الإجراءات التي أعلنت عنها حكومات ما بعد الانقلاب العسكري بمصر بخصوص الحدين الأدنى والأقصى للأجور في تحسين أوضاع العاملين بالحكومة والقطاع العام، كما يلاحظ أن القطاع الخاص المنظم لا يسمح بتطبيق الزيادة السنوية بشكل صحيح، وأن لديه قوائم أخرى غير حقيقية للأجور يقدمها للجهات الحكومية لاستيفاء الزيادة الشكلية، دون تفعيلها على أرض الواقع، وهو ما يزيد من وطأة أزمة الدخول لدى العاملين بالقطاع الخاص المنظم.

أما القطاع الخاص غير المنظم، والذي يعد السوق الأكبر للقوى العاملة بمصر، فلا تحكمه أي قواعد أو قوانين للزيادة في الأجور، كما لا توجد منظمات للمجتمع المدني لحماية العاملين بهذا القطاع، فضلا عن افتقادهم لأبسط قواعد الحماية الاجتماعية.

التداعيات السلبية للفجوة بين الدخول والأسعار
ثم مجموعة من التداعيات السلبية يمكن التنبؤ بها في ضوء الإجراءات الأخيرة الخاصة بزيادة أسعار الكهرباء، وكذلك التداعيات السلبية لارتفاع معدلات التضخم، في ظل تراجع قيمة الدخول الحقيقية للأفراد في مصر، ومن هذه التداعيات ما يلي:

1- سيكون من الصعوبة بمكان الحديث عن معدل نمو اقتصادي خلال عام 2016-2017 يصل إلى 5%. مع ارتفاع للأسعار لا تقابله زيادة مناسبة في الدخول، سوف تتأثر مستويات الاستهلاك، التي تسهم بنسبة تصل إلى أكثر من 95% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن تراجع معدلات الاستثمار، واستمرار الفجوة السالبة لعلاقات مصر الخارجية في التجارة السلعية والخدمية.

محطة كهرباء شبرا الخيمة شمال القاهرة (أسوشيتد برس)

2- ارتفاع معدلات البطالة: تمثل زيادة أسعار الكهرباء أحد عناصر تكاليف الإنتاج للسلع والخدمات في الاقتصاد المصري، وبالتالي ستزيد أسعار السلع والخدمات بنحو ما ذكرنا عاليه بنسبة تبلغ 20%-25%. وهي زيادة تؤدي إلى تراجع منافسة الصناعة المصرية في الداخل والخارج، مما سيؤدي إلى تقليص معدلات العمالة بغية تخفيف التكاليف، وبالتالي سيسرح بعض العمالة، أو تخفيف الطاقة الإنتاجية، وقد يصل الأمر بالبعض لإغلاق بعض المنشآت. والجدير بالذكر أن نسبة البطالة في مصر بلغت حسب الإحصاءات الرسمية 13%، في حين أن الواقع يشير إلى معدلات أكبر من ذلك بكثير.

3- في عام 2015 وقبل اللجوء لرفع أسعار الخدمات وتنفيذ باقي أجندة صندوق النقد الدولي، انضم إلى شريحة الفقراء 1.5 مليون مواطن، ويتوقع مع تطبيق الإجراءات الجديدة برفع الأسعار، أن تتسع رقعة الفقر بمصر لتلامس سقف 30%، خاصة في ظل تراجع معدلات أداء الاقتصاد المصري مع الخارج، واستمرار العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات.

4- سوف تشهد الأسعار فوضى مع غياب رقابة الحكومة على الأسواق، لتتناسب الزيادة في الأسعار مع رفع فواتير الخدمات، كما يغيب دور جهاز حماية المستهلك عن السوق المصرية، خاصة في ظل هذه الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة. ولا توجد منظمات للمجتمع المدني تساعد في حماية الأسواق.

لا تلوح في الأفق مساهمات واضحة من قبل المؤسسات غير الحكومية، مثل حركة التعاونيات التي تخفف عن المواطنين حدة ارتفاع الأسعار، وذلك بسبب التجربة السلبية السابقة للتعاونيات بمصر، وربطها بالتجربة الاشتراكية وانتشار الفساد فيها، واستخدامها عصا للحكومة في ترويض المجتمع.

كما أن حديث السيسي قائد الانقلاب العسكري عن تخفيض الأسعار في أكثر من مناسبة، كذبه الواقع. وما تساهم به وزارة التموين من الإعلان عن تنظيم معارض أو طرح سلع بأسعار مدعومة، لا يرقى إلى مستوى معالجة حقيقية للأزمة، كما أن مشاركة الجيش عبر منافذه لبيع السلع بأسعار اقتصادية لم تخفف من وطأة الغلاء في مصر، وأصبحت المشكلة الحقيقية هي كيف يحصل الأفراد على دخول تمكنهم من مسايرة الارتفاع في الأسعار.

------
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة