ياسين بودهان-الجزائر

حذرت دراسة حديثة بشأن الأمن الغذائي في الجزائر من مخاطر استمرار البلاد باللجوء للأسواق العالمية لتلبية احتياجاتها الغذائية، مبينة أن هذا الأمر يعيق تطور الصناعات الغذائية التي تعاني من التبعية للمواد الأولية المستوردة من الخارج.

وتشير الدراسة التي تم إعدادها من طرف منتدى رؤساء المؤسسات -وهو مؤسسة رسمية- إلى وجود الكثير من العوامل التي تهدد الأمن الغذائي للجزائريين، وربطت الأمر بوجود اختلال كبير بين العرض والطلب في مجال المنتجات الزراعية.

ورصدت الدراسة عدة أسباب وراء هذا الاختلال، أهمها النمو الديمغرافي، إذ ارتفع عدد سكان الجزائر بنسبة 20% بين عامي 2000 و2010. وأدت حركة التعمير وظاهرة التوجه نحو المدن -التي ارتفعت نسبتها من 58.3% إلى 66.3% خلال الفترة نفسها- إلى حدوث تغييرات في المجتمع الجزائري.

وصاحب هذه التطورات تغير في السلوك الاستهلاكي مع تحسن في شبكة الأجور، بحيث تضاعفت النفقات الغذائية أثناء الفترة المذكورة بأكثر من 270%، بحسب الدراسة.

وفي مقابل ارتفاع معدلات الاستهلاك الغذائي هناك محدودية في العرض المحلي، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يعتمد على الاستيراد، سواء بالنسبة للمحاصيل أو البذور، مما يفسر -حسب الدراسة- الارتفاع الكبير لفاتورة الواردات الغذائية التي وصلت إلى نحو 9.3 مليارات دولار عام 2014.

ورغم الجهود التي تبذلها الجزائر لتطوير القطاع الفلاحي بحيث خصصت 1.7 مليار دولار لدعم الاستثمارات الفلاحية فإن ذلك لم يمنعها من أن تصبح منذ عام 2015 ضمن أكبر ستة مستوردين عالميين للقمح بكمية تفوق خمسة ملايين طن سنويا.

ثلاثة عوائق
وبرأي مدير وكالة "بيو أغرنيك" للاستشارات الفلاحية يحيى كروش، فإن المستخلص من الدراسة هو أن "تحقيق الأمن الغذائي مرهون بثلاثة عوامل أساسية تتعلق بالمناخ وبالعامل البشري وبالسياسات الحكومية".

كروش يدعو إلى الاستفادة من التقنيات العلمية الحديثة لتحسين الإنتاج الزراعي (الجزيرة)

وبالنسبة للعائق الأول، يقول كروش إن الجزائر بكونها جزءا من العالم فإنها تشهد تحولات مناخية مهمة جدا، وفي أغلب الأوقات "تحول هذه التحولات دون الوصول إلى تحقيق الأهداف المسطرة في ميدان الإنتاج الفلاحي، وذلك لا يكون إلا عبر التأقلم المستمر مع المناخ من خلال الاستفادة من التقنيات العلمية الجديدة".

ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن الجانب البشري مرتبط أساسا بنقص معاهد التكوين في المهن الصغيرة التي يتطلبها الإنتاج الزراعي الذي أصبح في الأغلب يخضع للمكننة.

وتساءل بالمقابل عن "السر في استمرار الجامعات والمعاهد الجزائرية في تخريج الآلاف من الكوادر المتخصصة في القطاع الزراعي، في حين يوجد أكثر من 50% من هؤلاء يشتغلون في قطاعات لا علاقة لها بالفلاحة"، وشدد على "ضرورة استغلال المعارف العلمية على مستوى الحقول والمزارع، لرفع نسبة الإنتاج والتقليل من المصاريف التي يغرق فيها الفلاح الذي يعتمد على الطرق التقليدية".

وأكد كروش في الوقت نفسه على ضرورة اهتمام الحكومة بتغيير سياساتها تجاه ملف العقار الفلاحي، وطرق منح التمويلات المالية للفلاحين، مع ضرورة إعداد دراسات استشرافية للوصول إلى الأهداف الزراعية المسطرة.

أراض مهملة
وأعلن وزير الفلاحة والصيد البحري عبد السلام شلغوم في تصريحات للصحافة هذا الأسبوع عن تنصيب لجنة على مستوى وزارته للتفكير في طرق استغلال الأراضي الفلاحية المهملة التي تمثل 48% من المساحة الفلاحية الكلية، وهو الأمر الذي اعتبره غير مقبول بالنظر إلى حاجة البلاد إلى استغلال كل إمكانياتها لتحقيق أمنها الغذائي.

غلاف الدراسة التي صدرت مؤخرا (الجزيرة)

من جهة أخرى، قال رئيس مكتب اتحاد الفلاحين بولاية بومرداس (ثمانون كلم شمال الجزائر العاصمة) حسين معلاوي للجزيرة نت إن "قطاع الفلاحة بخير"، موضحا أن "وفرة المنتوج وصلت إلى درجة أصبح فيها الفلاح لا يجد من يشتري محاصيله، والدليل على ذلك ما حدث مع منتجي البطاطا والطماطم خلال هذا الموسم الفلاحي".

ورصد عدة عوامل تؤثر على عمل الفلاحين، أهمها معاناة بعضهم منذ عام 2010 من عدم الحصول على عقود امتياز لأراضيهم تمكنهم من الحصول على تمويلات بنكية لدعم مشاريعهم الفلاحية.

وكممثل لاتحاد الفلاحين طالب معلاوي منتدى رؤساء المؤسسات بـ"إنشاء مصانع لتحويل المنتجات الفلاحية لإنقاذ المنتوج الفلاحي من التلف بدل انتقاد قطاع لا علاقة لهم به".

المصدر : الجزيرة