نور الدين بوزيان-باريس

تتجه فرنسا على ما يبدو إلى أسبوع متوتر آخر على الجبهة الاجتماعية بعد رفض النقابات الاستجابة لدعوتي الرئيس فرانسوا هولاند ورئيس حكومته مانويل فالس إلى وقف الإضرابات بسبب الفيضانات التي تجتاح البلاد وكأس الأمم الأوروبية التي ستنطلق يوم الجمعة المقبل.
 
وسيضطر الفرنسيون للتسلح بالصبر لعدة أيام أخرى لرفض النقابات دعوات لتعليق الإضرابات، ومن بينها قطاع النقل في السكك الحديدية.

وقد دق مدير هذا القطاع ناقوس الخطر بإعلانه أن الخسائر التي تتعرض لها شركته بسبب الإضرابات تتجاوز يوميا عشرين مليون يورو، وحان الوقت لوضع حد لهذا النزاع، كما نحا عدد من السياسيين المنحى ذاته وحتى بعض وسائل الإعلام دخلت على الخط في هذا النزاع الاجتماعي.
لو فيغارو حملت هولاند مسؤولية الفوضى التي تشهدها البلاد (الأوروبية)

مسؤولية هولاند
وكان لافتا ما ورد في افتتاحية صحيفة لو فيغارو اليمينية التي حملت هولاند مسؤولية المأزق بعد اتهامه بعدم فعل أي شيء سوى إحداث الفوضى العارمة في البلد منذ توليه السلطة قبل أربع سنوات، وتتساءل "إلى أين تتجه فرنسا؟ وهل يعقل أن تفرض أقلية إرادتها على البلد؟"، في إشارة إلى الكونفدرالية العامة للشغل التي دخلت في رهان قوة مع الحكومة لإرغامها على إلغاء قانون العمل الجديد.

ويقول المستشار في مؤسسة الأبحاث بالمهن المتخصصة بيار موران إن "هذا النزاع سينتهي في آخر المطاف لكن بعد أن يكون قد ترك آثارا سلبية على صورة فرنسا في الخارج"، وأكد للمستثمرين أن فرنسا بلد قديم غير قادر على تطوير نفسه، وهذا سيلحق ضررا جسيما بها ويقوض فرص إبعاد شبح الأزمة الاقتصادية عنها.

وبينما انتقلت عدوى الإضرابات إلى قطاعات أخرى -بينها النقل الجوي المدني ومصانع معالجة النفايات- يبدو جليا أن حركة الإضرابات لم تصب فرنسا بالشلل الكامل.

ويرى مراقبون أن هذا العامل هو الذي يشجع الحكومة على المراهنة على انحسار الإضرابات شيئا فشيئا كما جرى في قطاع الوقود.

وما يعزز قناعة الحكومة هو أن الشارع الفرنسي لم يعد يؤيد المحتجين، إذ كشف استطلاع للرأي نشر الأحد أن ٤٥% من الفرنسيين هم فقط من يؤيدون الإضرابات.

 زعيم نقابة قوى عاملة رأى أن لا مصلحة لأحد بعرقلة كأس الأمم الأوروبية (الأوروبية)

مجلس الشيوخ
وتراهن الحكومة أيضا على انتقال القانون المثير للجدل إلى مجلس الشيوخ، حيث تتأهب الأغلبية اليمينية المعارضة لاستعادة المبادرة. 

ويرى المحلل في مجلة الإكسبرس كرستوف باربيي أن مجلس الشيوخ يتجه لإعطاء صبغة ليبرالية للقانون، وحينها ستخرج الحكومة للفرنسيين لتقول لهم نحن الحكومة ذات التوجه اليساري الإصلاحي من نحافظ على مكاسبكم الاجتماعية، وبتعبير آخر ستقول لهم "هذا القانون أرحم لكم من أي قانون آخر".

يبقى السؤال: هل ستغامر النقابات بخسارة تعاطف الشارع الفرنسي معها إذا بقيت متمسكة بالإضرابات، مما سيؤدي إلى عرقلة كأس الأمم الأوروبية التي تستضيفها فرنسا؟

وقد جاءت الإجابة على لسان زعيم نقابة قوى عاملة جون كلود الذي طمأن المتخوفين على هذه البطولة الكروية بقوله إنه ليس من مصلحة أحد عرقلة هذا الحدث الرياضي الكبير، لكن "نريد إبقاء الضغط على الحكومة لأنها لا تتعامل معنا بمسؤولية".

وبينما رفضت شخصيات سياسية يسارية معروفة بعلاقتها مع النقابات مناشدة المحتجين لوقف حركتهم ذهب زعيم الحزب الشيوعي إلى حد المطالبة بسحب قانون العمل، وهو ما لم تعد تطالب به أصلا النقابات.

ومما يدل على حالة الاحتقان في الشارع الفرنسي هو تعرض وزير الاقتصاد الفرنسي الاثنين للرشق بالبيض من دون أن ينقذه من غضب المحتجين سوى قوى الأمن.

المصدر : الجزيرة