بينما تختار بريطانيا في استفتائها ما إذا كانت ستبقى في الاتحاد الأوروبي أو تنسحب منه، تكثر الأسئلة بشأن التداعيات الاقتصادية، ويرى الكاتب فيل ليفي في مقال بمجلة فورين بوليسي   الأميركية أن النماذج الاقتصادية تصلح لتحليل الإجراءات والتغييرات المحدودة (مثل خفض نسب الضرائب)، لكنها ليست فعالة في تحليل التحولات الكبرى مثل هذا التفكك الجزئي المحتمل للاتحاد الأوروبي.

لذلك يفضل ليفي ألا يذكر تقديرات بالأرقام لما قد يحدث إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد، لكنه يطرح أربعة أسئلة قد تساعد في فهم الأبعاد الاقتصادية لهذا الحدث.

1- ما نوع الاتفاقات التي قد تبرمها بريطانيا إذا استقلت؟
يرتبط أحد ردود الفعل السلبية على فكرة انسحاب بريطانيا بطبيعة التكامل الموجود بين دول العالم، وضرورة أن تكون للاقتصاد المتقدم الناجح إمكانية الوصول إلى الاقتصادات الأخرى المتقدمة حتى يزدهر، لكن افتراض أن قدرة بريطانيا على دخول الأسواق العالمية ستتراجع إذا انسحبت من الاتحاد الأوروبي ليس أمرا واضحا، كما يرى الكاتب.

فهناك أمثلة لجزر في العالم مثل نيوزيلندا نجحت في إقامة تبادلات تجارية حرة مع بقية دول العالم على نطاق واسع، وهناك أمثلة لجزر "سياسية" مثل سويسرا نجحت في ذلك أيضا.

من المتوقع أن يهبط الجنيه الإسترليني إذا اختارت بريطانيا ترك الاتحاد (الأوروبية)

في الوقت الراهن تعد بريطانيا جزءا من منظمة التجارة العالمية من خلال عضويتها في الاتحاد الأوروبي، والسؤال هو: ما الترتيبات الجديدة التي قد تحدث في هذا الجانب إذا خرجت البلاد من الاتحاد؟ وهناك تصوران محتملان: أحدهما انتقال سهل، والآخر انتقال صعب.

في الانتقال السهل، ستسارع بريطانيا إلى إبرام اتفاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية. ووفق التصور الصعب، ستقول الولايات المتحدة لبريطانيا إن عليها أن ترجع إلى آخر الطابور، وسيعمل الاتحاد الأوروبي على أن تكون بريطانيا عبرة لأي دولة تفكر في أن تحذو حذوها، وسيكون الدخول في منظمة التجارة العالمية عملية شاقة وطويلة الأمد.

2- هل ينبغي القلق من عملية الانتقال نفسها أم من وضع بريطانيا في المستقبل؟
لا شك لدى الكاتب في أن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون صدمة (رغم أن الخروج نفسه لن يحدث على الفور). ويشبه ليفي الأمر بإنهاء زواج طويل الأمد، إذ يكون الأمر مكلفا ويتطلب عملا كثيرا من المحامين وفصلا للحسابات المصرفية، غير أن المراد يتم في نهاية المطاف.

ويقول الكاتب إنه لا يقصد بذلك أن بريطانيا ستكون بالضرورة أفضل حالا في المستقبل بعد إتمام عملية الانفصال، لكنه يوضح أن تحليل المستقبل القريب سيكون دائما مخيفا، وأنه يتعين التفكير في أسئلة المستقبل البعيد بشكل منفصل.

3- هل بقية الاتحاد الأوروبي في وضع مستقر؟
يرى ليفي أن أحد الأمور التي تستوجب النظر إلى المستقبل البعيد هو غموض مصير منطقة اليورو. ويقول الكاتب إن معظم التحليلات لخروج بريطانيا المحتمل من الاتحاد الأوروبي تقارن وضع العالم حين تكون بريطانيا فيه جزءا من اتحاد أوروبي قوي وفعال، بوضع آخر تستبعد فيه بريطانيا من اتحاد أوروبي قوي وفعال. لكن ماذا لو لم يكن هناك اتحاد أوروبي فعال؟

علم الاتحاد الأوروبي (يمين) وعلم بريطانيا أمام مقر المستشارية الألمانية في برلين (غيتي)

ويشرح ليفي أن زعماء أوروبا تمكنوا من عبور أزمات ومخاطر كبيرة مثل الديون السيادية وتباطؤ النمو وارتفاع البطالة وأزمة الهجرة، غير أن كل هذه الأزمات لم تحل أو جلها على الأقل. ومع استمرار هذه الأزمات تتصاعد النزعات القومية في أنحاء أوروبا، وإذا تعثرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام هذه النزعة في بلادها فإن الاتحاد الأوروبي قد يتفسخ، حسب رأيه. وإذا حدث ذلك فإن التحليلات المقارنة لوضع بريطانيا ستتغير كليا.

4- هل ثمة فقاعات مالية قد تنفجر إذا خرجت بريطانيا؟
بعض القلق بشأن احتمال خروج بريطانيا يتعلق بما يشكله الأمر من تهديد للاقتصاد العالمي، ويرى الكاتب أن هذا التهديد حقيقي، لكنه يسأل إلى أي حد تتحمل بريطانيا مسؤوليته؟ ويشرح أن هناك ما يدعو للخوف من وجود فقاعة مالية، إذ إن البنوك المركزية تستخدم سياسة نقدية شديدة التساهل خفضت أسعار الفائدة إلى معدلات سالبة في كثير من الأحيان. والقصد من هذه السياسة هو تحفيز الاستثمار والنمو، لكن ليفي لا يرى أن ذلك تحقق، بل أخذ المستثمرون هذه الأموال السهلة ووجهوها إلى مواضع أخرى.

ويرى الكاتب أن بريطانيا قد تكون سببا يعجل بانفجار الفقاعة المالية إذا كانت موجودة، لكنه لا يرى أن ذلك يحملها المسؤولية بالضرورة، كما لا يرى أن تفجير الفقاعة هو أمر سيئ بالضرورة، إذ قد يكون التعجيل به خيرا من انتظاره.

ويختم الكاتب بالقول إنه لو كان بريطانيًّا لكان صوت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، لكنه يضيف أن ذلك لا يعني الثقة في أن البقاء سيؤدي إلى مستقبل مشرق، أو أن الخروج سيؤدي إلى تقلبات شديدة.

المصدر : فورين بوليسي