تسعى موسكو عبر أنابيب الغاز إلى التمدد بالقارة الأوروبية رغم الانتقادات الأميركية، وخير دليل على ذلك خط الغاز الطبيعي "السيل الشمالي2" الذي يعتبر أحد المشاريع التي تعول عليها روسيا لتوسيع سوقها في القارة العجوز التي تعد أهم مستورد للغاز الروسي.

زاور شوج وهيفاء طرابلسي-موسكو

ما تزال موسكو تنظر إلى الغاز والنفط على أنهما ليسا مجرد سلاح اقتصادي بل سلاح سياسي بامتياز، وذلك رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ركز على ضرورة البحث عن نماذج مغايرة للطاقة تحقق عائدا لميزانيات الدول المصدرة لها.

فعلى هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، بحث بوتين قضايا أمن الطاقة مع رؤساء شركات عالمية تستثمر في قطاع الطاقة بروسيا، مؤكدا أن تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي أدى إلى تراجع الطلب على الغاز والنفط، الأمر الذي يضع الدول المعتمدة في اقتصاداتها على تصدير الطاقة أمام تحديات جديدة تتمثل في البحث عن نماذج مغايرة تحقق عائدات لميزانياتها بعيدة عن تصدير الطاقة.

هيمنة روسية
ورغم هذه النظرة الروسية، فإن موسكو تتبع سياسة الهيمنة على سوق الغاز وخاصة في القارة الأوروبية رغم تراجع الطلب.

ويبدو أن خط الغاز الطبيعي "السيل الشمالي2" أحد المشاريع التي تعول عليها روسيا لتوسيع سوقها في القارة الأوروبية التي تعد أهم مستورد للغاز الطبيعي الروسي.

فالمشروع الجديد الذي تعرض لانتقادات أميركية كثيرة يتيح لموسكو التخلص من عقدة أوكرانيا ومشاكلها فيما يتعلق بنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

المنسق الخاص لشؤون الطاقة في وزارة الخارجية الأميركية أموس خوشستين اعتبر هذا المشروع محاولة روسية للضغط على أوكرانيا التي تحقق عائدات تصل إلى ملياري دولار سنويا من عبور الغاز الطبيعي الروسي عبر أراضيها إلى أوروبا.

شفيد: مشروع السيل الشمالي2 يثبت لواشنطن أن روسيا ليست في عزلة (الجزيرة)

أهداف جيوسياسية
من جانبه يرى ميخائيل كروتيخين -وهو خبير في مجال الطاقة بشركة "روس إينرجي"- أن "السيل الشمالي2" مشروع غير مربح اقتصاديا بالنسبة لروسيا، وهو السبب الذي يجعل سير تشييده متوقفا حاليا، مشيرا إلى أن روسيا اخترعت مشروعي "السيل الشمالي" والسيل الجنوبي" لأهداف جيوسياسية بالدرجة الأولى.

وفي هذا السياق أيضا يعتقد الخبير في إدارة التوزيع المركزية لمجمع الوقود والطاقة الروسي ألكسندر شفيد أن مشروع "السيل الشمالي2" يمنح روسيا عددا من الإيجابيات، كالتخلص من مخاطر النقل عبر أوكرانيا والتخلص من مخاطر نقل الغاز التي تمثلها تركيا.

ويضيف شفيد أن "تنفيذ هذا المشروع سيكون بمشاركة مستثمرين أوروبيين، الأمر الذي يتيح فرصة لروسيا كي تثبت لواشنطن أنها ليست في عزلة، وأنها قادرة على حماية نفسها من تأثير العقوبات الاقتصادية وعدم جدواها".

وتسعى موسكو إلى استقطاب الشركات الأوروبية لهذا المشروع حتى لو كان على حساب مكاسب روسيا الاقتصادية منه.

ويقول الخبير كروتيخين إن هناك جهات رابحة اقتصاديا، أولها الشركات الأجنبية المشاركة في تشييد وإدارة هذا الخط.

ويضيف أن هذه الشركات توقع عقودا مع "غازبروم" الروسية لنقل الغاز وتحصل على عائدات على سعة الأنابيب وليس على حجم الغاز المنقول، مما يعني أن غازبروم مجبرة على الدفع حتى إن كانت الأنابيب فارغة, وهو ما يضمن لها استرجاع المبالغ التي استثمرتها في المشروع ومداخيل إضافية على مدى عشرات السنوات.

لكن روسيا تدرك أنه ليس من السهل السيطرة على سوق الغاز في أوروبا بوجود مشاريع موازية ستظهر بعد سنوات قليلة لتنافسها، إضافة إلى المعوقات السياسية بالدرجة الأولى أمام تنفيذ مشروع "السيل الشمالي2" لكونه مشروعا يعزز من تبعية الغرب لروسيا من جهة، ويؤثر سلبا على مصالح دول العبور (الترانزيت) من جهة أخرى.

المصدر : الجزيرة