محمد أفزاز-الدوحة

أكد مشاركون في فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر إثراء المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط المنعقد حاليا بالدوحة أن انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية يحتم على دول الخليج الإسراع باتخاذ تدابير لتكريس نموذج نمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص ويخفض آثار الارتهان الكلي للإنفاق الحكومي.

وفي هذا الصدد، قال الرئيس التنفيذي للمجلس النقدي الخليجي رجا بن مناحي المرزوقي إن التحدي الأبرز الذي تواجهه دول الخليج يكمن في الانتقال من نمو تقوده الحكومات إلى نمو يقوده القطاع الخاص.

واعتبر أن اعتماد موازنات دول المنطقة على إيرادات النفط يجعل القطاع الخاص غير قادر على توقع حجم الإنفاق الحكومي ومسار النمو العام للبلاد.

ورأى المرزوقي أن الاعتماد على النفط يجعل موازنات واقتصادات دول الخليج في بحث مستمر عن نقطة التوازن.

كما أشار إلى أن تكريس اقتصادات أكثر توازنا وشفافية سيساعد القطاع الخاص على تنبؤ حجم الإنفاق العام ومن ثم توقع أدائه في المستقبل.

المرزوقي أكد أن الاقتصادات التي تعتمد على النفط تظل في بحث دائم عن التوازن بالنظر إلى تقلبات الأسعار (الجزيرة نت)

وأكد المرزوقي- خلال جلسة تدارست تداعيات هبوط أسعار النفط على اقتصادات المنطقة- على الحاجة إلى سياسة مالية تقلل الاعتماد على الإيرادات النفطية.

ولفت إلى أن مسار التكامل الذي نهجته دول الخليج باتجاه تحقيق الوحدة النقدية سيساعد القطاع الخاص على تقليص تكلفة التنقل وتقليل المخاطر، كما سيرفع جاذبية المنطقة للاستثمارات الأجنبية وتنويع المداخيل وتحقيق التحول نحو اقتصاد أكثر توازنا.

إجراءات إيجابية
من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة تانسيا لتكنولوجيا النفط والغاز عمار رواس إن أزمة انخفاض أسعار النفط جعلت دول المنطقة تتخذ إجراءات كانت مترددة بشأنها قبل هذه الفترة، مثل رفع الدعم عن أسعار الوقود وتقليص الوظائف والامتيازات.

وأشار إلى أن هذه الإجراءات ستكون لها آثار إيجابية على اقتصادات المنطقة على المدى البعيد، معبرا عن اعتقاده بأن هذه المنطقة ستظل رغم ذلك جاذبة للخبرات العالمية.

ورأى أنه كان على هذه الدول أن تبادر إلى اتخاذ مثل هذه الإجراءات في وقت الرخاء، حيث كانت صناعة القرار من قبل الحكومات أكثر سهولة مما عليه الوضع الآن في ظل وجود مجالس شورى وهيئات مجتمع مدني وحماية المستهلك تراقب الوضع.

واعتبر رواس أن رفع الدعم عن الوقود سيساعد على تقليص الاستهلاك المحلي للنفط، في وقت بدأ المستهلكون بالفعل في التفكير بشراء مركبات أقل استهلاكا للوقود.

وفي تصريح للجزيرة نت قال رواس إن الأمل بعودة أسعار النفط إلى الارتفاع حد من مساعي دول الخليج لاتخاذ خطوات قد تكون لها آثار سلبية على جاذبية المستثمرين الأجانب وجلب الكوادر.

وشدد على ضرورة تطبيق مثل هذه الإجراءات بشكل متدرج يأخذ في الاعتبار مقارنة تأثيراتها لما قبل وما بعد مرحلة انخفاض أسعار النفط.

وتوقع رواس أن تظل أسعار النفط في الأسواق العالمية في حدود خمسين إلى ستين دولارا مع احتمالات بأن تصل إلى سبعين دولارا بحلول العام 2020.

رواس: أزمة النفط جعلت دول المنطقة تتخذ إجراءات كانت مترددة بشأنها من قبل (الجزيرة نت)

تحذيرات
بدوره، حذر بيونغ أل شوي -من جامعة إهو للمرأة بكوريا الجنوبية- من استنساخ الإصلاحات الاقتصادية التي تم تطبيقها ببعض الدول الغربية، معتبرا أن عددا من هذه الإصلاحات لم يأت بنتائج إيجابية.

ودعا إلى أهمية الانتقال من النمو التقليدي المعتمد على قطاع النفط والغاز إلى النمو المعتمد على رفع أداء القطاع الخاص.

ولفت أل شوي إلى أن دولا عديدة استطاعت أن تحقق نجاحات عندما قامت بتطوير قطاعاتها غير النفطية قبل الأزمة الحالية واتخذت التدابير والإجراءات الخاصة بتنويع اقتصاداتها.

وعبر عن اعتقاده بأن تنويع قاعدة الاقتصاد يحتاج إلى قطاع خاص قادر وقوي وتقليل الاعتماد على دعم الدولة والاستثمار في رفع جودة التعليم ومهارات الأشخاص.

أما مدير عام مجموعة كلينتون الأميركية هاني فندقلي فتوقع أن يتراجع حجم استهلاك النفط التقليدي في العالم بنحو 20% نتيجة التطور التكنولوجي، خاصة ما تعلق بإنتاج سيارات كهربائية، بالموازاة مع تنامي استخدام بدائل طاقة جديدة، وطفرة النفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة وبلدان أخرى.

ورغم كل هذه التحديات فإن عددا من المتدخلين في الجلسة أكدوا أن منطقة الشرق الأوسط ستظل تلعب دورا إستراتيجيا في إمداد أسواق العالم بالنفط والغاز بالنظر إلى ما تحتوي عليه من مخزون إستراتيجي هو الأكبر في العالم، بيد أنهم حذروا في الآن ذاته من أن أسعار الذهب الأسود لن تعود إلى مستويات المئة دولار، مما يستلزم تعاطي اقتصادات هذه المنطقة مع مستويات أسعار منخفضة قد تمتد لفترة طويلة.

المصدر : الجزيرة