ستيفان غيرلاخ

جذور الأزمات المالية
هل نستطيع مواجهة أزمة جديدة؟

في مثل هذا الشهر قبل 85 عاما، انهار بنك "كريديت أنشتالت" الذي كان أكبر بنوك النمسا على الإطلاق. وبحلول يوليو/تموز 1931، كانت البنوك في مصر وألمانيا والمجر ولاتفيا وبولندا ورومانيا وتركيا تواجه تكالب المودعين عليها لاسترداد ودائعهم. وفي أغسطس/آب، ضربت نوبة من الذعر المصرفي الولايات المتحدة، وإن كانت مصادر الذعر هناك محلية. وفي سبتمبر/أيلول، شهدت البنوك في المملكة المتحدة عمليات سحب كبيرة. والواقع أن أوجه التشابه مع انهيار بنك الاستثمار الأميركي "ليمان براذرز" عام 2008 قوية وحاسمة في فهم المخاطر المالية اليوم.

فبادئ ذي بدء، لم يتسبب انهيار "كريديت أنشتالت" ولا انهيار "ليمان براذرز" في إحداث كل الاضطرابات المالية العالمية التي أعقبت ذلك. بل كان الانهيار وما أعقبه من مشاكل من أعراض نفس المرض: ضعف النظام المصرفي.

جذور الأزمات المالية
في النمسا عام 1931، امتدت جذور المشكلة إلى تفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية بعد الحرب العالمية الأولى، والتضخم الجامح أوائل عشرينيات القرن العشرين، وتعرض البنوك المفرط للقطاع الصناعي. وبحلول وقت انهيار "كريديت أنشتالت" كان العالم في ركود عميق منذ عامين، وأصبحت الأنظمة المصرفية في عدد من البلدان هشة للغاية، وكانت التوترات تنتقل بسهولة عبر الحدود، مع تسبب معيار الذهب في تفاقم الضعف المالي من خلال تقييد قدرة البنوك المركزية على التصرف.

القطاع المالي يدير المخاطر التي يدركها، وليس بالضرورة كل المخاطر التي يتعرض لها

وعلى نحو مماثل، في عام 2008 كان النظام المالي بالكامل مجهدا، وذلك بسبب تركيبة من ضعف إدارة المخاطر الداخلية وعدم كفاية التنظيم الحكومي والإشراف. وكان بنك "ليمان براذرز" ببساطة الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من المؤسسات المالية الهشة.

ولكن هل من الممكن أن تندلع اليوم أزمة كتلك التي أحدثها انهيار "كريديت أنشتالت" و"ليمان براذرز"؟ ربما يستسلم المرء لإغراء نفي هذا الاحتمال، إذ يبدو أن الاقتصاد العالمي والنظام المالي العالمي في تحسن، فقد تراجع الإقبال على المخاطرة في القطاع الخاص، كما اتخذت تدابير ضخمة -وإن كانت مرهقة- لتحسين العمليات التنظيمية. وفي المجموع، تساعد هذه التطورات بكل تأكيد في دعم نظام مالي مستقر.

المشكلة من هذا المنطق هي أن الأزمات المالية تكشف عادة عن خطوط تصدع لم تكن مرئية من قبل. والواقع أن القطاع المالي يدير المخاطر التي يدركها، وليس بالضرورة كل المخاطر التي يتعرض لها. ومن السهل أن نبالغ في تقدير قدرة منع الأزمات التي تتمتع بها البيئة التنظيمية الجديدة التي تشبه طريقا سريعا جديدا ولكنها تجتذب أيضا المزيد من السيارات التي تسير بسرعات أعلى كثيرا، فيستمر وقوع الحوادث المرورية.

وحيث إننا لا نستطيع استبعاد أزمة جديدة، فإلى أي مدى نحن جاهزون للتغلب على مثل هذه الأزمة؟ الإجابة القصيرة هي أننا لسنا جاهزين لذلك بشكل جيد.

هل نستطيع مواجهة أزمة جديدة؟
في الواقع، إذا حدثت أزمة مالية اليوم، فربما تكون عواقبها على الاقتصاد الحقيقي أشد قسوة من أي وقت مضى. وبدون شك، سوف تسارع البنوك المركزية -التي أدركت الآن أن مسؤولياتها لا تقتصر على الحفاظ على استقرار الأسعار بل تمتد إلى منع وإدارة التوترات المالية- إلى مواجهة أي صدمة بالاستعانة بمجموعة من عمليات السوق. ولكن في حال اندلاع الأزمة، فإن الأدوات المتاحة للبنوك المركزية لمنع انكماش الأسعار وانهيار الاقتصاد الحقيقي مقيدة بشدة، وخاصة اليوم.

واجهت البنوك المركزية أزمة عام 2008 بخفض أسعار الفائدة على نحو غير مسبوق في نطاقه وحجمه

في أوائل القرن العشرين، كان بوسع كل البنوك المركزية أن تخفض قيمة عملاتها مقابل الذهب، فترفع بالتالي مستويات الأسعار وتفلت من انكماش الدين. الواقع أن تسع دول -بما في ذلك المملكة المتحدة- فعلت ذلك على وجه التحديد عام 1931، وحذت حذوها ثماني دول أخرى -بما في ذلك الولايات المتحدة- على مدار السنوات الخمس التالية. ولكن اليوم، أصبحت سياسة خفض قيمة العملة لعبة محصلتها صفر.

في غياب خيار خفض القيمة المشترك، واجهت البنوك المركزية أزمة عام 2008 بخفض أسعار الفائدة على نحو غير مسبوق في نطاقه وحجمه، فضلا عن عمليات شراء ضخمة للأوراق المالية الطويلة الأجل (ما يسمى بالتيسير الكمي). وكانت هذه الجهود فعالة، ولكن أسعار الفائدة تظل منخفضة للغاية، بل أصبحت سلبية في بعض الدول. واقترب التيسير الكمي من حدوده القصوى، مع تراجع التأييد الشعبي لهذه السياسة. ونتيجة لهذا، أصبحت قدرة مثل هذه الأدوات على تخفيف الضرر الواقع على أي اقتصاد بسبب المزيد من الصدمات مقيدة للغاية.

كل هذا لا يعني أن أزمة مالية عالمية أخرى أصبحت وشيكة بالضرورة. بل على العكس من ذلك، تحرز الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم تقدما في التعافي من كارثة 2008، ويشير تشديد بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي) لسياسته في ديسمبر/كانون الأول 2015 إلى أن دورة أسعار الفائدة العالمية تتحرك صوب المرحلة التالية. وهي أخبار طيبة.

ولكن لا ينبغي لنا أبدا أن نستبعد خطر اندلاع أزمة مالية أخرى. ذلك أن قدرة البنوك المركزية على التعامل مع الصدمات المالية سوف تظل محدودة بدرجة مؤسفة لسنوات قادمة، ولهذا يتعين علينا أن نتعامل مع خطر الأزمة المالية بجدية تامة. ومن الواضح أن مخاطر التراخي كبيرة للغاية.
____________________
كبير خبراء الاقتصاد لدى بنك "بي.أس.آي" في زيوريخ، ونائب محافظ بنك إيرلندا المركزي سابقا، والمدير التنفيذي وكبير خبراء الاقتصاد لدى السلطة النقدية في هونغ كونغ، وسكرتير لجنة النظام المالي العالمي في بنك التسويات الدولية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت