سعد الله الفتحي

الصعود التاريخي للطاقة النووية
ضربة محتملة للوقود الأحفوري
الطاقات المتجددة
كلفة الاستثمار

في خضم أوضاع السوق النفطية ينسى المعلقون ما يحدث بالنسبة لمصادر الطاقة الأخرى، وخاصة ما يتعلق بالطاقة النووية أو المصادر المتجددة.

في 26 أبريل/نيسان الماضي مرت الذكرى الثلاثون للحادثة المروعة التي أصابت محطة تشرنوبل النووية في مدينة بريبيات الأوكرانية عام 1986، إذ وقع انفجار في أحد المفاعلات تبعه حريق كبير وانبعاث كمية كبيرة من الإشعاعات. تلك الحادثة ما زالت تصنف على أنها أسوأ حادثة نووية بدرجة سبعة كأعلى مقياس، نسبة إلى عدد المصابين والكلفة المتحققة التي بلغت 18 مليار روبل، إضافة إلى إخلاء منطقة بقطر 60 كلم حول المحطة.

بعد يومين من ذلك التاريخ، وصلتُ إلى فيينا لأخذ موقعي كمدير لدائرة دراسات الطاقة في سكرتارية منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وكانت فيينا -لا بل عموم أوروبا- في غاية القلق بسبب الخوف من الإشعاعات التي تم الكشف عنها في السويد.

أما أوبك فكانت قلقة بسبب انهيار أسعار النفط وتخلي المنظمة عن السعر الرسمي الذي كان 28 دولارا للبرميل وأدى إلى انخفاض الأسعار إلى ما دون عشرة دولارات.

ولكن القلق بسبب تشرنوبل تلاشى تدريجيا نظرا لعدم ظهور ضحايا أو تأثيرات صحية مباشرة وآنية. إلا أن تأثير الحادث في أوضاع الطاقة كان عظيما بسبب ازدياد التخوف من الطاقة النووية والذي كان دائما في البال وأشار إليه عارضو استخدام الطاقة النووية أو التوسع فيها.

الصعود التاريخي للطاقة النووية
أنشئت أول محطة توليد كهرباء نووية عام 1957 في الولايات المتحدة وكانت بطاقة 60 ميغاواطا، وبعد ذلك دخلت دول أخرى المجال مثل بريطانيا وكندا والاتحاد السوفياتي الذي ارتفع بطاقة المفاعلات إلى ألف ميغاواط. وفي عام 1965 كانت الكهرباء المولدة نوويا تعادل 5.8 ملايين طن نفط مكافئ، وارتفعت عام 1973 إلى 45.8 مليونا.

ارتفع استهلاك الطاقة النووية إلى 335 مليون طن نفط مكافئ في عام 1985 وتم ذلك بالدرجة الرئيسية على حساب إحلالها بدل النفط

لكن الارتفاع الحاد في أسعار النفط عام 1973 أعطى الطاقة النووية دفعة قوية في الدول الصناعية بغية تقليل اعتمادها على النفط، لذا ارتفع استهلاك الطاقة النووية إلى 335 مليون طن نفط مكافئ عام 1985، وتم ذلك بالدرجة الرئيسية على حساب إحلالها بدل النفط، وأدى إلى انخفاض الطلب على نفط أوبك بنفس المقدار، وكان أحد الأسباب في انهيار الأسعار عام 1986.

ولكن تشرنوبل أدت إلى خفض التوسع في الطاقة النووية بسبب تخوف الناس وشدة معارضتهم وبسبب الزيادة الكبيرة في الكلف بزيادة متطلبات السلامة، ومع ذلك ازداد استهلاك الطاقة النووية بدخول مفاعلات كانت قيد الإنشاء، وزيادة تشغيل المفاعلات القائمة لأغراض الحمل الكهربائي الأساسي.

وبين عامي 2005 و2010 استقر استهلاك الكهرباء النووية بحدود 625 مليون طن نفط مكافئ بالسنة، وإذا بحادث فوكوشيما في اليابان عام 2011 يفاجئ العالم، حيث أدى الزلزال وما تبعه من تسونامي إلى عطب المحطة النووية في تلك المدينة وأدى إلى وقف جميع المحطات النووية في اليابان، وعجل بإيقاف بعض المفاعلات في دول أخرى بحيث انخفض استهلاك الطاقة النووية عام 2014 إلى 573 مليون طن نفط مكافئ.

ضربة محتملة للوقود الأحفوري
وبالنظر إلى مستقبل الطاقة النووية، نقول ابتداء إن توليد الطاقة أعلى من استهلاكها بسبب الضائعات والاستهلاك الذاتي. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية زيادة الطلب على الطاقة النووية من 646 مليون طن نفط مكافئ إلى 1036 طنا بين عامي 2013 و2040. وتصل توقعات أوبك أعلى من ذلك إذ تصل إلى نحو 1200 مليون. أما إذا اتجهت الدول إلى سياسات بيئية متشددة فربما يصل إنتاج الطاقة النووية إلى ما بين 1201 و1627 مليونا اعتمادا على النتائج المستهدفة بالنسبة لانبعاثات الكربون. وإذا حدث ذلك فستكون ضربة موجعة لمنتجي الوقود الأحفوري من فحم ونفط وغاز.

ويبدو أن العالم بعد ثلاثين عاما على حادث تشرنوبل يتجه إلى إعطاء الطاقة النووية فرصة جديدة، خاصة أن فوكوشيما لم تكن حدثا نوويا بالأصل ولم يُتوَف أي شخص بسبب تأثر المحطة النووية. كما أن آلاف الوفيات بسبب إشعاعات تشرنوبل لم تحدث، وتحول موقع المحطة إلى غابة ومحمية للحيوانات البرية يزورها السياح.

هناك 440 مفاعلا تجاريا قيد العمل لتوليد الكهرباء، طاقتها الإجمالية 380 غيغاواطا، إضافة إلى 65 مفاعلا قيد الإنشاء

ويشير مؤيدو الطاقة النووية إلى التقدم الحاصل في اعتمادية المفاعلات وزيادة أنظمة السلامة المتضمنة في تصاميم المحطات الجديدة. وهناك 440 مفاعلا تجاريا قيد العمل لتوليد الكهرباء طاقتها الإجمالية 380 غيغاواطا، إضافة إلى 65 مفاعلا قيد الإنشاء. ولكن كلفة الإنشاء لوحدة السعة ما تزال عالية بموجب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، إذ تبلغ 5366 دولارا للكيلوواط في المحطات النووية، بينما تبلغ 912 دولارا للكيلوواط بالنسبة للمحطات العاملة بالغاز. وبسبب الانخفاض الحاد في أسعار الغاز فإن المحطات النووية -وخاصة في الولايات المتحدة- غير قادرة على المنافسة، وربما يتجه بعضها نحو الإغلاق.

وإذ تبقى الطاقة النووية صامدة أمام تنامي الكلف وصعوبة الحصول على إجازات الإنشاء ومعارضة الناس، فإن التقدم الحاصل في إنتاج واستهلاك الطاقات المتجددة قد يؤدي إلى تعاظم دور هذا البديل، وربما إلى إعادة النظر في سيناريوهات نمو الطاقة النووية، خاصة أن التوسع بها لن يكون كافيا لوحده في تحقيق التزامات الدول بشأن خفض انبعاثات الكربون أو في تقليل اعتمادها على الاستيراد أو زيادة أمن إمداداتها.

الطاقات المتجددة
إن الطاقات المتجددة هي تلك المصادر التي يعاد شحنها من الطبيعة كأشعة الشمس والرياح والحرارة الجوفية ومد البحر وأمواجه والطاقة المائية من السدود والكتلة الحيوية. وهذه المصادر مجتمعة قد جهزت العالم عام 2013 بطاقة وصلت إلى 1836 مليون طن نفط مكافئ -أي 290% أكبر من الطاقة النووية- بحسب وكالة الطاقة الدولية التي تتوقع أن تساهم هذه الطاقات بنحو 3030 مليون طن نفط مكافئ عام 2040، بينما تتوقع أوبك أن تصل إلى 3198 طنا. وفي حالة سياسات بيئية متشددة، قد يصل الرقم إلى ما بين 3346 و4389 مليونا، وهذا أيضا أعلى بكثير من احتمالات الطاقة النووية.

ولأن الطاقة المائية ناضجة وقديمة الاستخدام فإن نموها سيكون متواضعا قياسا بنمو الطاقات الأخرى وخاصة من الرياح والشمس. أما الطاقة من الكتلة الحيوية التي تشمل إنتاج كحول الإيثانول والديزل الحيوي، فإنها قد استحوذت على جزء كبير من الطلب على النفط، وقد يصل إنتاجها إلى ما بين 3.3 و4.2 ملايين برميل يوميا عام 2040 اعتمادا على أسعار النفط والسياسات البيئية.

ومع ذلك يبقى مجال توليد الكهرباء الحيز الأكثر أهمية بالنسبة للطاقات المتجددة، ففي تقرير وكالة الطاقة الدولية لعام 2015 "منظور الطاقة في العالم"، تتوقع نموا في الكهرباء المولدة من الطاقات المتجددة من 5105 تيراواطات/ساعة 2013 إلى 11488 تيراواطا/ساعة عام 2040، وأعلى من ذلك بكثير اعتمادا على شدة السياسات البيئية، علما بأن أغلب النمو سيكون من الطاقتين الشمسية والرياح.

كلفة الاستثمار
وتلعب الكلفة دورها في دفع التوجه إلى الطاقات المتجددة، فإذا كانت كلفة الاستثمار في المحطات الغازية 912 دولارا للكيلوواط، فإن دراسة حديثة من قبل "لازارد" -أحد بيوت الاستثمار في وول ستريت- تؤكد أن كلفة الاستثمار لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح هي الأقل في الوقت الحاضر، حتى قبل أي دعم حكومي كما ورد في تقرير لوكالة أسوشيتد برس للأنباء. ومن الخبرة السابقة نعتقد أن الكلف ستنخفض أكثر مستقبلا بالنسبة لطاقتي الرياح والشمسية بمزيد التوسع في الإنشاء والاستخدام. وحتى كلف التشغيل فهي تنخفض وستكون منافسة تماما عام 2040 بدون إعانات، وخاصة أن أسعار الغاز قد لا تبقى بهذا المستوى المتدني.

كلفة الاستثمار لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح هي الأقل في الوقت الحاضر، حتى قبل أي دعم حكومي

وقد كان الاستثمار في الطاقات المتجددة 214 مليار دولار عام 2013، وخاصة بفضل استثمارات كبيرة في الصين والولايات المتحدة ودول أخرى. أما مجموع الاستثمارات من هنا وحتى عام 2040 فقد يصل إلى سبعة تريليونات دولار، بحسب وكالة الطاقة الدولية.

وتتوسع الطاقة الشمسية خاصة بوجود أجهزة منزلية مناسبة للطبخ والماء الساخن والإضاءة وحتى التدفئة والتبريد، ولذلك فائدة كبيرة في إيصال الطاقة إلى الأماكن البعيدة التي لا تصلها مصادر الطاقة الحديثة في الأرياف.

وفي نفس الوقت تشجع الحكومات الاستثمار في الطاقات المتجددة بإعفائها من الضرائب وشمولها بالإعانات، وهذا ليس مستغربا حيث قدم العالم 550 مليار دولار عام 2013 إعانات لمنتجات الطاقة الأحفورية، بينما لم تحظ الطاقات المتجددة إلا بـ120 مليارا يتوقع زيادتها تدريجيا، ولا تدفع للأنظمة التي تصبح منافسة تجاريا. ففي الصين تم حديثا تحديد سعر الكهرباء المجهز إلى الشبكة من المصادر المتجددة بـ1.18 يوان للكيلوواط (18 سنتا أميركيا) وهذا أعلى بكثير من التعريفة التي يدفعها المستهلكون.

منذ فترة طويلة خسر النفط جزءا من حصته في سوق الطاقة بسبب التوسع في توليد الكهرباء النووية، والآن جاء دور الفحم ليخسر جزءا من حصته لطاقة الرياح والشمس اللتين تتقدمان سريعا في توليد الكهرباء، وباتت أكبر شركة فحم في العالم "بيبودي" تسعى للحصول على حماية من الإفلاس.

وإذ تسعى الدانمارك للحصول على كامل احتياجاتها من الطاقة من مصادرها المتجددة، فلا يسعنا إلا أن نرحب بتوجه بعض الدول العربية -وخاصة المغرب والإمارات والسعودية ومصر- نحو التوسع في صناعة الطاقات المتجددة، ونأمل أن يتبعهم آخرون.
__________________
خبير نفط عراقي

المصدر : الجزيرة