يسعى فقهاء وخبراء موريتانيون إلى مد الجسور بين التراث الفقهي والمعارف الحديثة لإيجاد حلول شرعية للمسائل المستجدة في الاقتصاد، حيث يحتاج الناس إلى معرفة حدود الحلال والحرام فيها.

أحمد الأمين-نواكشوط

استأثرت القضايا الاقتصادية بنقاشات المشاركين في ملتقى الفقه الإسلامي الأول المنظم في نواكشوط من قبل مركز تكوين العلماء، في خطوة اعتبرها الفقهاء والخبراء ضرورية لبلورة رؤية إسلامية للقضايا الاقتصادية.

ويهدف الملتقى -الذي شارك فيه فقهاء وخبراء اقتصاديون ومصرفيون- إلى بلورة موقف شرعي جماعي حول قضايا لا تزال تطرح إشكالات في فقه المعاملات والاقتصاد، وتختلف الاجتهادات والرؤى بشأنها، وتثير جدلا واسعا في الساحتين الفقهية والمالية.

ومن جملة القضايا التي تم تداولها في الملتقى الموقف الشرعي من أخذ الأجرة على خطابات الضمان التي تصدرها البنوك، والمواءمة بين أهمية أداء الضريبة وحماية الحقوق الخاصة، والموقف الشرعي من التأمين بصيغه التقليدية، وفتح الحسابات في البنوك الربوية.

وسعى مركز تكوين العلماء من خلال الملتقى إلى جمع أصحاب الاختصاص من الفنيين والفقهاء لعلهم يخرجون برؤية موضوعية مبنية على علم وتصور صحيح بشأن القضايا الشائكة التي يختلف فيها المفتون في عالمنا اليوم لعلها تسد الفراغ الملحوظ في هذا المجال، حسب ما يقول رئيس المركز الشيخ محمد الحسن ولد الددو.

ولد الددو: القضايا المعاصرة تقتضي تعاونا بين الفقهاء وأصحاب الاختصاصات الأخرى (الجزيرة)

فقه واقتصاد
واعتبر الشيخ ولد الددو في حديث للجزيرة نت أن المواضيع المطروحة للنقاش "تقتضي تعاونا بين الفقهاء والفنيين من أصحاب الاختصاص الاقتصاديين أو اجتماعيين أو قانونيين أو غيرهم، ليكون هنالك تصور دقيق وصحيح ينبني عليه الحكم الشرعي الذي يذكر فيه ما وجد من الخلاف بين المذاهب وما اعتمد عليه كل مذهب من الأدلة".    

وناقش المشاركون مجموعة من البحوث والأوراق العلمية التي حاولت استنطاق الموروث الفقهي وقراءته في ضوء الواقع لإيجاد صيغ تضمن استمرار النشاطات المالية، وترفع الحرج الشرعي المثار بشأن بعض المعاملات، خاصة في نشاطات البنوك وقضايا التأمين.

ويقول الشيخ الددو إن المواضيع التي ناقشها الملتقى "هي التي توقف عندها الفقهاء الموريتانيون في ثمانينيات القرن الماضي عندما قننوا الفقه ووضعوا القانونين المدني والتجاري، حيث لم يقدموا رأيا في هذه النقاط وبقيت معلقة، وقد أراد منظمو الملتقى البناء على فعل الفقهاء الذين وضعوا القوانين الموريتانية السارية وإكمالها بهذه المواضيع".       

ومكن النقاش من توضيح الجوانب المحيطة بالمواضيع المطروحة، مما أتاح اعتماد رأي فقهي جماعي في أغلبها، لكن تنوع الاجتهادات فرض نفسه ليمنع الحسم بشأن شرعية أخذ الأجرة على خطابات الضمان التي تصدرها البنوك فرأى الملتقى إرجاء إصدار رأي بشأنه وإخضاع الموضوع لمزيد من البحث.

ولد حمينا: ينبغي تحيين القضايا الفقهية لتلائم متطلبات الواقع (الجزيرة)

تجاوز القطيعة
ورغم الاختلاف بشأن هذه النقطة فقد مكن الملتقى من التلاقي بين الفقهاء المنشغلين بالنصوص والفنيين المحكومين بضوابط الاقتصاد الحديث والمعاملات المالية، ووضع القضايا الإشكالية على بساط البحث وفق قواعد تمكن الفقيه من إنزال الحكم على أساس تصور علمي صحيح وواضح، حسب تعبير أستاذ الشريعة الإسلامية بمركز تكوين العلماء محمدن ولد المختار الحسن.

ويضيف ولد المختار الحسن في حديث للجزيرة نت أن "بقاء الفقهاء بعيدا عن واقع الحياة الاقتصادية أثر سلبا على مستوى التصور ومن ثم على تنزيل الحكم، وهو ما يستدعي بذل جهد لتجاوز هذه القطيعة".

من جانبه، اعتبر أستاذ الاقتصاد الإسلامي محمدن ولد حمينا في حديث للجزيرة نت أن "الفقه الموروث يشكل إجابة على أسئلة كانت ذات مرة مطروحة، ولا يجيب في الغالب على أسئلة اليوم، خاصة في ما يتعلق بالمعاملات".

ويضيف ولد حمينا أن المنشغلين بالاقتصاد الإسلامي -بحثا وتدريسا- "يسعون لتجاوز إشكالية التعاطي مع أسئلة الحاضر بأجوبة الماضي من خلال تنوير الفقيه وتحيين الفقه حتى يلائم متطلبات الواقع، ومحاولة أسلمة الاقتصاد ليستجيب لمقتضيات الشرع ومقاصده".  

المصدر : الجزيرة