سيرغي غورييف

وعود لم تنفذ
عائدات الخصخصة

تعاني روسيا ضغطا شديدا بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية، ويتدهور وضعها المالي بوتيرة متسارعة، مما أجبر الحكومة على اتخاذ مزيد من التدابير غير الاعتيادية لاحتواء عجز الميزانية المتزايد.

وتم بالفعل خفض الإنفاق الحكومي هذا العام بنسبة 8٪ من حيث القيمة الحقيقية، مقارنة مع عام 2015، وهي نسبة كبيرة لكنها لا تكاد تكفي لتحقيق التعادل في الميزانية.

وإذا بقي سعر النفط على ما هو عليه حاليا، أي ما بين ثلاثين و35 دولارا للبرميل (ميزانية هذا العام تفترض خمسين دولارا للنفط)، فإن عجز روسيا سيبلغ نحو 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

ونظرا لأن صندوق الاحتياطي المالي الروسي يساوي 4.5% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وفي ظل صعوبة الاقتراض من الأسواق المالية الدولية، فإن روسيا تحتاج بشكل عاجل إلى خطة مالية بديلة.

ومن الجيد أن الحكومة الروسية تبدو الآن مدركة للموقف؛ ففي يناير/كانون الثاني الماضي أعلنت السلطات تخفيضات إضافية تعادل نحو 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي، والأهم من ذلك أن الحكومة ستحاول جمع أموال تعادل 1.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو تريليون روبل (نحو 13 مليار دولار)، عن طريق خصخصة شركات تابعة للدولة، من بينها "درر التاج" مثل روسنفت (أكبر شركة نفط في روسيا)، وشركة ألروسا التي تحتكر استخراج الألماس، وشركة الطيران الكبيرة إيروفلوت.

ووضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعض القيود المهمة لعمليات البيع المحتملة، قائلا لن تبيع الحكومة حصصا أغلبية، ولا يجوز تمويل الصفقات عن طريق قروض من بنوك تابعة للدولة، كما لا يجوز البيع لمشترين مسجلين خارج روسيا. وربما تكون خطة الخصخصة هذه خطوة مهمة نحو كبح جماح ملكية الدولة المفرطة في روسيا، حيث تسيطر الدولة على أهم قطاعات الاقتصاد الوطني في الطاقة والمعادن والصناعات التحويلية وتوليد الكهرباء والخدمات المالية والنقل.

وعود لم تنفذ
وكانت روسيا قد تحدثت في السابق عن جولة خصخصة؛ فقد تعهد ديمتري مدفيدف خلال فترة رئاسته بنقض ما قامت به الشركات التابعة للدولة من توسع في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، وبخصخصة جميع الشركات "غير الإستراتيجية". وكرر خليفة مدفيدف (وسلفه) هذه الوعود في عام 2012، وفي اليوم الأول من فترته الثانية رئيسا لروسيا، وقع بوتين مرسوما بشأن "سياسة الدولة الاقتصادية طويلة المدى" ينص على الخصخصة الكاملة لجميع الأصول المملوكة للدولة قبل عام 2016 -باستثناء الاحتكارات الطبيعية، والموارد الطبيعية، والأصول الدفاعية.

أسعار الأصول الروسية كانت في عامي 2012 و 2013 تفوق ضعف الأسعار الحالية، بالقيمة الدولارية

ومن الواضح أن هذه الوعود لم تنفذ، ولو كانت نفذت لاستفادت روسيا من الخصخصة أكثر بكثير مما ستكسبه الآن؛ فقد كانت أسعار الأصول في عامي 2012 و2013 تفوق ضعف الأسعار الحالية، بالقيمة الدولارية. وقد تتسبب القيود على الملكية الأجنبية والإقراض من قبل البنوك المملوكة للدولة (التي تهيمن على النظام المالي في روسيا) في إنقاص عائدات الخصخصة أيضا.

وأعلن الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت إيغور سيتشين أنه يفضل تأجيل الخصخصة حتى تعود أسعار النفط إلى مئة دولار للبرميل، لكنه مستعد لتنفيذ أوامر بوتين (زميله السابق في الكيه جي بي). ويبدو أن بوتين مستعد لإصدار أوامره في هذا الاتجاه، وقد سبق أن أعلن أن الخصخصة مفيدة، ولو بأسعار أقل (نظرا لمكاسبها غير المباشرة المتعلقة بالكفاءة).

وساعد تأكيد بوتين على أن الدولة ستحتفظ بحصص الأغلبية في الشركات المملوكة لها في ضمان تعاون كبار المديرين التنفيذيين مثل سيتشين، إذ إنه يهدئ مخاوفهم من حدوث تغيير في قيادة الشركات. وبطبيعة الحال، فإن هذا النهج سيضعف التأثير الهيكلي لخطة الخصخصة. لكن حتى وإن اقتصر الأمر على بيع حصص أقلية فقط، فإن ذلك من شأنه تحسين الشفافية والحوكمة في الشركات.

عائدات الخصخصة
ولا يعني ذلك مطلقا أن عائدات الخصخصة غير مهمة، بل على العكس، إذا لم تعزز الخصخصة إيرادات الموازنة أو تزيد الكفاءة، فمن المرجح أن يرى الشارع أنها غير شرعية. في هذه الحالة، يمكن للحكومة الاعتماد على الدعم الشعبي لمصادرة بعض أو كل ممتلكات المساهمين الجدد من خلال التأميم أو الضرائب المفرطة أو الإجراءات القانونية.

من دون الإصلاحات المؤسساتية قد تبدو هذه الجولة من الخصخصة مشابهة لتلك التي أجريت في التسعينيات

إن توقع مثل هذه النتيجة قد يدفع المساهمين الجدد لإخفاء العائدات، بدلا من الاستثمار في الشركة، مما سيعوق تعزيز الكفاءة وسيخلق حلقة مفرغة من فقدان الثقة الشعبية في الملكية الخاصة. في الواقع، قد يكون هذا التوقع في الوقت الراهن قويا بما يكفي لتقليل رغبة الجهات الخاصة في دفع أثمان مرتفعة لشراء حصص أقلية (إلا إذا كانوا محميين من احتمال المصادرة بسبب قربهم من الدوائر السياسية).

ومن السمات الأخرى للمناخ الاقتصادي الذي ربما يقوض العائدات، العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا، وهي عقوبات يمكن أن تشتد في حال تصاعد الأعمال العدائية. من هنا يمكننا القول إن نجاح الجولة القادمة من الخصخصة يعتمد على علاقات روسيا مع العالم الخارجي.

وهناك عامل آخر حاسم في نجاح أو فشل جهود الخصخصة في روسيا، وهو قوة وجودة مؤسساتها القانونية؛ فإذا نفذت الحكومة إصلاحات هيكلية تعزز حماية حقوق الملكية وسيادة القانون، سيتوقع المساهمون الجدد عوائد أعلى، وبالتالي سيكونون على استعداد لدفع ثمن أكبر مقابل الأصول، وهذا من شأنه أن يساعد على كسر الحلقة المفرغة لأسعار الأصول المتدنية والشرعية المنخفضة للملكية الخاصة.

ومن المحتمل أن تكسب روسيا الكثير من خلال عملية الخصخصة، لكن من دون الإصلاحات المؤسساتية قد تبدو هذه الجولة من الخصخصة مشابهة لتلك التي أجريت في التسعينيات، إذ إن الأسعار المنخفضة للغاية لن تمكن الحكومة من حل مشكلاتها المالية أو إرساء شرعية الملكية الخاصة، كما أن إحجام الدولة عن خصخصة حصص الأغلبية قد يحول دون تعزيز الكفاءة الاقتصادية.

ـــــــــــــــــ
الرئيس الأسبق لكلية الاقتصاد الجديدة في موسكو، وسيتولى منصب كبير الاقتصاديين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في وقت لاحق من هذا العام.

المصدر : بروجيكت سينديكيت