النمو المتقلب في الصين
آخر تحديث: 2016/3/2 الساعة 18:48 (مكة المكرمة) الموافق 1437/5/24 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/3/2 الساعة 18:48 (مكة المكرمة) الموافق 1437/5/24 هـ

النمو المتقلب في الصين

الشركات الصينية
هروب رؤوس الأموال

تعيش الأسواق العالمية حالة من الانزعاج الشديد بسبب عدم اليقين بشأن آفاق الصين الاقتصادية، خاصة أن العديد من الأسئلة بات من الصعب للغاية الإجابة عنها. وفي واقع الأمر، يكاد يكون من المستحيل الآن التنبؤ بمسار الصين، نظرا للإشارات المربكة المتناقضة التي يرسلها صناع السياسات.

ففي الاقتصاد الحقيقي، تشهد القطاعات التي تعتمد على تصدير إنتاجها انكماشا ملموسا، وذلك نظرا لضعف الطلب الخارجي. وفي مواجهة تباطؤ النمو في أوروبا واليابان، والنمو المتوسط في الولايات المتحدة، والتحديات الخطيرة في البلدان النامية (باستثناء الهند)، فقد المحرك التجاري الصيني الكثير من قوته.

ولكن في الوقت نفسه، ساعد الطلب المحلي المتزايد الارتفاع في الإبقاء على معدل النمو في الصين مرتفعا نسبيا، وهو الإنجاز الذي تحقق من دون زيادة كبيرة في مديونية الأسر. ومع توسع الاستهلاك الخاص، تكاثرت الخدمات فتولدت فرص عمل لكثيرين، وهذا دليل واضح على إعادة التوازن إلى الاقتصاد على النحو الصحيح.

الشركات الصينية
والوضع في قطاع الشركات ملتبس. فمن ناحية، تعمل الشركات الخاصة الشديدة الإبداع والديناميكية على دفع النمو. وكما يوثق كتاب سيصدر قريبا من تأليف جورج ييب وبروس ماكرن، فإن هذه الإبداعات تحدث في نطاق واسع من المجالات، من التقنية الحيوية إلى الطاقة المتجددة. وكان التقدم الأكثر وضوحا في قطاع تقنية المعلومات، وذلك بفضل شركات مثل علي بابا، وتينسنت، وبايدو، ولينوفو، وهواوي، وشياومي.

أدى التوسع الائتماني السريع عام 2009 إلى قدر هائل من الاستثمار المفرط والقدرة الصناعية الفائضة في الصين

ومن ناحية أخرى، يظل قطاع الشركات عُرضة للخطر بسبب نقاط ضعف خطيرة. فقد أدى التوسع الائتماني السريع عام 2009 إلى قدر هائل من الاستثمار المفرط والقدرة الفائضة في قطاعات السلع الأولية، والصناعات الأساسية مثل صناعة الصلب، والقطاع العقاري بشكل خاص. وتتحمل ركائز نموذج النمو الاقتصادي القديم قدرا كبيرا من المسؤولية عن تباطؤ النمو الحالي.

ورغم هذه التحديات فإن تحول الصين إلى اقتصاد أكثر إبداعا ويدفعه الاستهلاك يجري الآن على قدم وساق. ويشير هذا إلى أن الاقتصاد يشهد تباطؤا وعرا، وليس انهيارا، وأن من المعقول توقع النمو المعتدل في الأمد المتوسط، هذا إذا لم تشتد حدة المشاكل التي يواجهها النظام المالي.

ففي الوقت الحالي، تسجل القروض المتعثرة ارتفاعا ملحوظا، وهو ما يرجع بقدر كبير إلى ضعف الصناعات الثقيلة وقطاع العقارات. وبينما تشير مصادر رسمية إلى أن القروض المتعثرة تمثل 1.67% من إجمالي محفظة قروض البنوك التجارية في الصين، تشير تقديرات بنك "سي.آي.سي.سي" الصيني تشير إلى أن الرقم أقرب إلى 8%. وإذا كان الأمر كذلك فإن القطاع المصرفي -والاقتصاد عموما- قد يتضرر بشدة.

ووقوع هذا الضرر المحتمل للقطاع المصرفي والاقتصاد عموما يتوقف على مدى حسم الإجراءات السياسية. فكما كانت الحال في أواخر تسعينيات القرن العشرين بعد الأزمة المالية الآسيوية، قد تضطر الصين إلى الاعتماد على ميزانية الدولة العمومية الضخمة لإعادة هيكلة القروض، وشطب الديون، وإعادة رسملة البنوك.

هروب رؤوس الأموال
بيد أن المخاوف لا تنتهي عند هذا الحد، إذ ما زال صافي تدفقات رأس المال الخاص إلى خارج البلاد كبيرا، ولا توجد أي علامات تدل على أن هذا النزوح المالي سيتباطأ. ونتيجة لهذا، تناقصت الاحتياطيات التي يحتفظ بها بنك الشعب الصيني بنحو خمسمئة مليار دولار خلال العام الماضي. وقد تسبب النزوح المالي بالإضافة إلى التقلب في أسواق الأسهم والعملة، في جعل المستثمرين وصناع السياسات قلقين على نحو متزايد.

نظرا لأهمية الصين في منظومة الاقتصاد العالمي، فمن المحتم أن ترسل حالة عدم اليقين بشأن خططها وآفاقها في المستقبل موجات صدمة عبر أسواق رأس المال العالمية

ومن المؤسف أن التفسير الواضح لهذه الظواهر لم يقدَّم بعد. وبعض المراقبين يرجعها إلى أمرين معا، وهما التقدم في ناحية فتح سوق رأس المال الصيني، وسعر الصرف المبالغ في تقديره. ويتوقع هؤلاء أن تعود رؤوس الأموال إلى التدفق على الصين فور إعادة ضبط العملة عند مستوى أقرب إلى مستوى السوق. ويشتبه آخرون في تأثير المعلومات الداخلية، فنزوح رأس المال يشير إلى أن الأوضاع الاقتصادية وآفاق النمو أسوأ كثيرا مما توحي به البيانات الاقتصادية الرسمية.

ويستشهد آخرون بالتأثير الذي تخلفه حملة الرئيس شي جين بينغ المكثفة ضد الفساد، وبشكل أكثر عموما تراجع التسامح الرسمي مع وجهات النظر غير التقليدية. فربما يميل أولئك الذين يشعرون بأن حملة مكافحة الفساد تهددهم بشكل مباشر إلى إخراج أموالهم من الصين، ولكن كثيرين آخرين ربما يفعلون هذا خشية أن تتحرك الحكومة باتجاه فرض المزيد من السيطرة بدلا من إعطاء الأسواق "دورا أكثر حسما" في الاقتصاد. ولا شك في أن رأس المال يميل نحو التدفق إلى الأماكن التي تكون فيها اللوائح واضحة ومستقرة.

ونظرا لأهمية الصين في منظومة الاقتصاد العالمي، فمن المحتم أن ترسل حالة عدم اليقين بشأن خططها وآفاقها في المستقبل موجات صدمة عبر أسواق رأس المال العالمية. ولذلك، من الأهمية بمكان أن تعمل الحكومة الصينية على زيادة شفافية عملية اتخاذ القرار، بما في ذلك عملية عرض قراراتها السياسية وشرحها على نحو أكثر فعالية. ولنتأمل هنا التأثير المهدئ للبيان الصادر مؤخرا عن محافظ بنك الشعب الصيني تشو شياو تشوان (في أعقاب صمت رسمي طويل ومحير بشأن سياسة سعر الصرف) بأن البنك المركزي يعتزم الإبقاء على الرنمنبي (اليوان الصيني) مستقرا في مقابل سلة من العملات والدولار الأميركي.

بيد أن المشكلة الأساسية المتروكة بلا علاج والتي تؤثر على النظام المالي في الصين، تتلخص في غلبة سيطرة الدولة وملكيتها للأصول، فضلا عن الضمانات غير الصريحة التي تسود أسواق الأصول. ويؤدي هذا إلى سوء توزيع رأس المال (مع تحمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة القدر الأعظم من المعاناة) وسوء تسعير المخاطر، بينما يساهم في تعزيز ثقافة ائتمانية متساهلة. ويفرض غياب الانضباط الائتماني مشكلة ضخمة بشكل خاص عندما يقترن بسياسة نقدية ميسرة للغاية، لأن هذا كفيل بالإبقاء على الشركات المحتضرة قائمة بشكل مصطنع.

ولحل هذه المشكلة، يتعين على قادة الصين أن يعملوا على عزل ميزانية الدولة العمومية عن نظام توزيع الائتمان، ولكن لا توجد خريطة طريق واضحة للقيام بذلك. وعلاوة على هذا، ينبغي لهم أن يبنوا على الجهود المبذولة لتحرير الحساب الرأسمالي، وبالتالي تحسين كفاءة توزيع رؤوس الأموال بمرور الوقت، وإن كانت هذه العملية تتعقد بلا أدنى شك بفعل الطبيعة المتقلبة التي تتسم بها تدفقات رأس المال عبر الحدود.

الواقع أن نوبة التقلبات الاقتصادية التي تشهدها الصين حاليا من المرجح أن تستمر، وإن كانت زيادة الشفافية كفيلة بالتخفيف من حدة هذه النوبة إلى حد كبير. أضف إلى هذا الاستخدام الذكي لموارد الدولة، جنبا إلى جنب مع تنفيذ الإصلاحات بخطوات واثقة، فتصبح الصين قادرة على تحقيق النمو الطويل الأمد بوتيرة متوسطة ولكنها مستدامة.

__________________
مايكل سبنس حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك وزميل لمؤسسة هوفر.
فريد هو رئيس ومؤسس مجموعة بريمافيرا كابيتال، وهي شركة استثمارية عالمية مقرها الصين.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات