سعد الله الفتحي

منذ بداية انخفاض أسعار النفط في يونيو/حزيران 2014، لم يكن هناك تفاؤل بقدر الموجود هذه الأيام إزاء تعافي الأسعار ووصولها إلى مستويات معقولة.

فارتفاع أسعار سلة خامات أوبك بما يقرب من عشرة دولارات للبرميل خلال شهر منذ 10 فبراير/شباط الماضي، يدعو للأمل بقدر ما يدعو للتأمل.

لكن صعود الأسعار لم يكن بوتيرة واحدة، فهناك أيام كثيرة انخفضت فيها الأسعار مما يدعو إلى الاعتقاد بأن السوق لا تزال تبحث عن اتجاه وأن هناك الكثير من عدم اليقين فيما يمكن أن يحدث، أو أن "صعود السوق حديثا غير قابل للاستدامة"،  كما قالت صحيفة وول ستريت جورنال.

ترى ما الذي تغير في السوق لتتبدل حالة الحذر والتشاؤم إلى حالة تفاؤل وانتعاش؟

هل تغيرت أساسيات السوق
الفجر الكاذب

إزالة الفائض ووقف الحسومات

 

هل تغيرت أساسيات السوق
يمكننا بكل ثقة أن نقول إن أساسيات السوق لم تتغير وإن الشيء الوحيد الذي يحرك السوق هذه الأيام ليس سوى الكلام والتصريحات واتفاق لم يوضع حتى الآن موضع الاختبار الحقيقي.

إن اتفاق الدوحة بين السعودية وروسيا الذي حظي بتأييد قطر وفنزويلا فور صدوره والعراق لاحقا على استحياء، لم يستطع حتى الآن الحصول على تأييد أوسع من بقية المنتجين.

فقد رفضت إيران المشاركة فيه لأسباب مفهومة تتعلق بالحصار الذي كان قائما وأفقدها جزءا كبيرا من صادراتها التي تريد استعادتها. وقالت الكويت إنها تؤيد الاتفاق إذا التزمت إيران به، مما ألقى ظلالا عليه. وبالنسبة للعراق، فلا أحد يعلم كيف سيجمد إنتاجه في وقت يرتبط بعقود ملزمة مع الشركات العاملة فيه إلا إذا كان التجميد أو الانخفاض واقع حال بسبب الظروف التي يمر بها البلد.

إن أساسيات السوق لم تتغير وإن الشيء الوحيد الذي يحرك السوق هذه الأيام ليس سوى الكلام والتصريحات واتفاق لم يوضع حتى الآن موضع الاختبار الحقيقي

وفيما يتعلق بالاجتماع الذي قيل إنه سيعقد بين دول أوبك والمنتجين من خارجها هذا الشهر فإنه لم يتأكد بعد. وحتى لو عقد ففي جميع الأحوال لن يحقق تغييرا كبيرا في ميزان العرض والطلب في النصف الأول من 2016، كما تقول وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لهذا الشهر.

ومن حيث الأساسيات أيضا، لا نرى أن المحللين قد غيروا آراءهم بشكل يدعو إلى الاقتناع بإيجابية التحرك الجديد.

فنمو الطلب هذا العام لا يزال ضمن التقديرات السابقة البالغة 1.25 و 1.2 مليون برميل في اليوم بحسب أوبك ووكالة الطاقة الدولية على التوالي. وينطبق الشيء ذاته عل الإنتاج خارج أوبك من حيث وقوعه بين 0.7 و 0.75 مليون برميل يوميا، بالنسبة للمنظمتين، بسبب الانخفاض الكبير في عدد أبراج الحفر العاملة وخفض استثمارات الشركات النفطية الكبرى وتسريح آلاف من العاملين فيها.

كما أن نمو الاقتصاد العالمي المتوقع قد خفض إلى 3.2% بدلا من 3.5% بسبب الوضع في الدول الصناعية والصين والهند وهذا قد يدعو إلى إعادة النظر في نمو الطلب على النفط لاحقا.

والأهم من كل ذلك أن مستوى المخزونات التجارية ومنتجات النفط في الدول الصناعية قد بلغ حدا غير مسبوق إذ وصل إلى 3012 مليون برميل في نهاية 2015 أي بزيادة مقدارها 350 مليون برميل عن معدل مستوياته في السنوات الخمس الماضية.

لقد كانت زيادة العرض عن الطلب في العام الماضي مليوني برميل يوميا ذهبت كلها إلى التخزين وهناك الكثير المتوقع هذا العام ولو بدرجة أقل. وسيبقى مستوى المخزونات المرتفع عامل ضغط على الأسعار في المدى المنظور.

أما إنتاج أوبك في فبراير/شباط فقد بلغ ما يقرب من 32.6 مليون برميل يوميا بزيادة تقرب من 1.7 مليون برميل يوميا عن مستواه في الشهر نفسه من 2015.

هذه العوامل الأساسية لا تدفعنا إلى الاعتقاد بأن هناك سندا لاستمرار صعود الأسعار. 

الفجر الكاذب
لقد وصفت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لشهر فبراير/شباط صعود الأسعار في النصف الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي بأنه ربما يكون "فجرا كاذبا"،  حيث قالت إن تعليق الآمال على اتفاق تجميد الإنتاج ليس إلا تخمينا أو مضاربة حول تخفيض مرتقب في الإنتاج.

أما تقريرها لهذا الشهر فإنه يتساءل هل نرى ضوءا في نهاية النفق المظلم الطويل؟ ثم تضيف عن تحسن الأسعار "لكن هذا لا يؤخذ بالضرورة على أنه علامة تجاوز الظروف السيئة. مع أنه ربما يدل على بلوغ الانخفاض حده الأدنى"، وتضيف الوكالة أنها "لا تستطيع أن تكون متأكدة تماما متى في 2017 سيبلغ سوق النفط حد التوازن المرغوب".

ويقول كاري روس رئيس مجموعة (PIRA) الاستشارية للطاقة في نيويورك في مقابلة مع رويترز إن أسعار النفط قد تستقر عند 50 دولارا للبرميل في نهاية 2016.

وعزا ذلك إلى أن دول أوبك بدأت تتحدث عن موازنة السوق عند هذا السعر الذي سيكون المرساة الجديدة للأسعار.

ورغم أن الكثيرين يحبذون هذا السعر فإنني لم أقرأ تصريحات واضحة من وزراء أوبك بهذا الشأن.

لكن هذا السعر له من المعقولية ما يدعو إلى التطلع إليه. فهو لن يشجع إنتاج النفوط العالية التكلفة، ويخدم ميزانيات الدول المنتجة إلى حد لا بأس به ويبعد شبح انخفاض الأسعار إلى ما دون 20 دولارا للبرميل.

هناك بالطبع أيضا ما هو إيجابي في قصة النفط الطويلة إذ إن انخفاضا واضحا قد بدأ في إنتاج النفط العالي التكلفة كالنفط الصخري ولو بشكل بطيء. فإنتاج الولايات المتحدة انخفض إلى 9.26 ملايين  برميل يوميا في ديسمبر/كانون الأول 2015 من أعلى مستوى له في أبريل/نيسان من العام ذاته حيث كان 9.69 ملايين برميل يوميا.

إزالة الفائض ووقف الحسومات
وإذ يرحب رمزي سلمان المساعد السابق للأمين العام لأوبك باتفاق تجميد الإنتاج في مقالة نشرتها صحيفة (National) الإماراتية في 9 مارس/آذار، فإنه يقول "بدون إزالة الفائض -في السوق- ووضع حد لحسومات الأسعار التي يعطيها المنتجون في سباقهم للحصول على حصة أعلى في السوق فلن يكون هناك أي حل".

إن تجميد الإنتاج سيخفض الفجوة بين العرض والطلب، لكن الالتزام التام بالنظام يبقى ذا أهمية كبرى
ويضيف أنه فيما يتعلق بارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي فإنها "أدت إلى إنتاج نفطي ألاسكا وبحر الشمال" الذي "أدى بدوره إلى انخفاض الأسعار في الثمانينيات إلى ما دون عشرة دولارات للبرميل".


والوضع يعيد نفسه حيث أدى السماح للأسعار بالارتفاع إلى ما يقرب من 150 دولارا للبرميل، إلى "التعجيل بإنتاج النفط والغاز العالي التكلفة مثل النفط الصخري ورمال النفط وذلك الذي في المياه العميقة" ومن ثم أدى ذلك إلى تدهور الأسعار منذ 2014.

ويضيف سلمان أن تجميد الإنتاج "دون النظر إلى عدد المنتجين المشاركين فيه سيؤدي إلى انخفاض الطاقة الإنتاجية بسبب الانخفاض الطبيعي في إنتاجية الحقول وسيكون ذلك أهم عامل في خفض الفجوة بين العرض والطلب"، لكن "الالتزام التام بالنظام يبقى ذا أهمية كبرى".

نعم للتفاؤل، لكننا مقدمون على الفصل الثاني من السنة حيث ينخفض الاستهلاك مقارنة ببقية الفصول بسبب تحسن الطقس وموسم صيانة المصافي وما قد يؤدي إليه ذلك من ضغوط على الأسعار.

فهل ستنجح التمنيات والتصريحات المتفائلة في استدامة زخم الصعود الحالي أم أننا مقدمون على جولة جديدة من خيبة أمل، يتمنى المنتجون أن لا يصلوا إليها؟
ـــــــــــــــــــــــ
خبير نفط عراقي

المصدر : الجزيرة