ياسين بودهان-الجزائر

مصائب قوم عند قوم فوائد، هو الوصف الأبلغ للوضع الذي آل إليه حال الكثير من الفلاحين الجزائريين بعد أن تحولت وفرة منتوجهم الزراعي من نعمة على المستهلكين إلى نقمة عليهم، بسبب انهيار الأسعار وتكدس الإنتاج.

ومنذ أسابيع يعيش الآلاف من المزارعين خاصة القاطنين منهم بمناطق الجنوب على أعصابهم بسبب خطر الإفلاس الذي داهمهم، بعد أن سدت الأبواب في وجوههم أمام تسويق محاصيلهم الزراعية التي حققت وفرة غير معهودة خلال الموسم الفلاحي 2014-2015.

وتشير أرقام الوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية إلى أن المنتوجات الزراعية سجلت خلال هذا الموسم فائضا في الإنتاج، وخاصة البطاطا التي سجلت فائضا بستمئة ألف طن لا يوجه منه إلا 1% إلى الصناعات التحويلية.

وأمام معضلة نقص وسائل التخزين وصعوبة عمليات التصدير، ومع ارتفاع حصيلة هذا المنتج من 1.2 مليون طن عام 2000 إلى 4.2 ملايين طن في 2015 بعد استصلاح 60 ألف هكتار جديدة، وجد الفلاحون أنفسهم أمام مشكلة انهيار الأسعار التي لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج.

وخلال الستة أشهر الأخيرة تراجعت أسعار البطاطا من 0.73 دولار إلى 0.091 دولار، كما تراجعت أسعار الطماطم من 0.64 دولار إلى 0.091 دولار في أسواق الجملة ببعض المحافظات الجزائرية على غرار عين الدفلى والشلف وبسكرة.

وتعتبر مدينة الوادي سوف -630 كلم جنوب العاصمة الجزائر- إحدى الولايات النموذجية التي حققت قفزة نوعية في مجال الإنتاج الزراعي خلال السنوات الأخيرة، ويبدو أن هذه الوثبة تهددها مخاطر محدقة في حال استمرار الأوضاع على حالها.

وبسبب وفرة الإنتاج في محاصيل محددة وخاصة البطاطا والطماطم، وجد الفلاحون أنفسهم أمام معضلة التسويق، وعلى عكس الفلاحين بالمحافظات الشمالية القريبة من أسواق الجملة ومن الموانئ، فإن سكان المناطق الجنوبية، حسب الفلاح وعضو مؤسس الكنفدرالية الجزائرية لمنتجي البطاطا إبراهيم ستور، يعانون من مشكلة غلاء النقل وغياب أماكن التخزين ومصانع التحويل الغذائي.

فلاحون من وادي سوف جنوبي الجزائر يعرضون منتجاتهم الفلاحية في أحد المعارض (الجزيرة نت)

انهيار الأسعار
وكشف أن ولاية الوادي وحدها حققت إنتاجا في الطماطم والبطاطا فاقت نسبته 50% مقارنة مع الموسم الفلاحي الماضي. وبيّن للجزيرة نت أن كلفة الإنتاج فاقت أسعار المنتجات في السوق، وهي أسعار "لا تغطي تكاليف الإنتاج مما دفع الكثيرين إلى ترك محاصيلهم للتلف في المزارع هروبا من خسائر مضاعفة".

وطالب ستور وزارة الفلاحة بالتدخل العاجل لإنقاذ الفلاحين من الإفلاس وذلك عن طريق مساعدتهم في تسويق المنتوج نحو الخارج، أو دعمهم بوسائل النقل. وكشف أن الكونفدرالية التي تم تأسيسها منذ أيام هدفها تنظيم عملية استيراد البذور والتحكم في كميتها، لأن تعويم هذه البذور هو "السبب في إغراق السوق وانهيار الأسعار".

وإذا كان من حق المستهلكين خاصة محدودي الدخل أن يفرحوا بانهيار أسعار البطاطا وبعض الخضروات، فإن رئيس جمعية التجار والحرفيين الطاهر بولنوار يتساءل "ألا يخشى المسؤولون نتائج الموسم القادم؟ ألم ينتبهوا إلى واقع شبكة التخزين والتبريد ومدى أهمية التحويل الغذائي؟"، وهي الأسباب التي يقول للجزيرة نت إنها "السبب المباشر لانهيار الأسعار"، إلى جانب غياب مخطط زراعي يضبط عملية الإنتاج.

إفشال المنتجين
واعتبر أن هذا الواقع سيؤدي إلى تحطيم الفلاحة وإفشال المنتجين والعودة للاستيراد في السنوات القادمة بنسبة أكبر وأخطر.

ورغم وجود بعض المحاولات لتصدير منتوج البطاطا، فإن العراقيل التي تواجه المصدرين تنفر الكثير منهم في المغامرة. وحسب تصريح المدير العام للوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية للإذاعة الحكومية فإن الخلل يكمن في المنظومة البنكية وغياب البنوك الجزائرية بالخارج وعدم توفر القواعد اللوجستية (الشحن والتخزين) لعملية التصدير.

ورغم إعلانه على هامش اجتماع تقييمي مع المجلس المهني للبطاطا عن سلسلة إجراءات تهدف إلى امتصاص الفائض وتحقيق استقرار السوق من خلال تسهيل إجراءات التصدير، فإن وزير الفلاحة والتنمية الريفية سيد أحمد فروخي حمل الفلاحين مسؤولية الإنتاج الوفير، مخاطبا الفلاحين بقوله "كان عليكم التفكير أولا في كيفية تسويق المنتوج قبل الإنتاج"، وهي التصريحات التي اعتبرها ستور "تهربا من المسؤولية"، فلا يعقل -على حد تعبيره- أن "يكون الفلاح هو المنتج والناقل والمسوق والمصدر في آن واحد".

المصدر : الجزيرة