لماذا التدمير في مصفاة بيجي؟
آخر تحديث: 2016/2/8 الساعة 16:47 (مكة المكرمة) الموافق 1437/5/1 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/2/8 الساعة 16:47 (مكة المكرمة) الموافق 1437/5/1 هـ

لماذا التدمير في مصفاة بيجي؟

 

سعد الله الفتحي

بيجي ساحة معركة
تفكيك ونقل لإيران

في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي لم تكن بيجي سوى مدينة زراعية صغيرة قليلة النفوس على الطريق بين بغداد والموصل.

لكن إنشاء مصفاة بيجي بخطوطها الإنتاجية الثلاثة بطاقة 290 ألف برميل يوميا , ومصفاتين  لزيوت التشحيم بطاقة ربع مليون طن سنويا، إضافة إلى واحدة من أكبر محطات توليد الكهرباء في العراق ومعمل متكامل لتصنيع الزيوت النباتية، قد جعل من بيجي مدينة صناعية بحق، واختيرت لتكون موقعا إنتاجيا مهما للشركة العربية لكيميائيات المنظفات لإنتاج خمسين ألف طن في السنة من المادة الأساس لمساحيق الغسيل.

وقد رافق كل ذلك نهضة عمرانية كبيرة ببناء آلاف المنازل والشقق والمدارس والجوامع والأسواق والحدائق والمستوصفات لإسكان العدد الكبير من المهندسين والفنيين والإداريين والعمال الذين جاؤوا من مختلف أنحاء العراق دون استثناء. 

 بيجي ساحة معركة
من عاش تلك الفترة وساهم فيها -كما كاتب هذه السطور- ومن قضى العمر في إدارة وتشغيل تلك المنشآت يصعب عليه تصور ما حدث لبيجي منذ احتلالها من قبل تنظيم الدولة أواسط 2014 حتى الوقت الحاضر، وسيطرة قوات الحكومة ومليشياتها على المدينة ومنشآتها في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

فقد كانت كل تلك المنشآت خاصة مصفاة بيجي ساحة معركة كر وفر، وما تبع ذلك من أذى كبير في المكائن والمعدات والخزانات، وفي تشريد آلاف من المنتسبين وعوائلهم.

وفي الحرب، لا تفاجئ الخسائر المادية والبشرية الكبيرة أحدا على شدة وقعها، فهذه طبيعة الحرب، لكن أن يستمر النزف والدمار بعد المعركة فهو أمر لا يمكن تصوره أو قبوله مطلقا. وهذا ما حدث ويحدث خصيصا في مصفاة بيجي، حيث أوفدت وزارة النفط فريقا فنيا للكشف على المصفاة بعد أسبوعين من استعادتها. وبين تقرير الوفد أن أضرارا كبيرة قد حدثت لكن بالإمكان الشروع بإعمار أحد الخطوط الإنتاجية (وهو صلاح الدين 1) الذي بدت أضراره أقل من غيره.

ولم يبين التقرير فقدان أي من المواد الاحتياطية ولا المعدات الثقيلة المتحركة التي ستكون ضرورية في أي إعمار قادم. وفي نفس الوقت قامت إدارة المصفاة بإعداد تقرير مشابه وصبت اقتراحاتها في نفس الاتجاه.

لكن فريقا ثانيا حاول الدخول إلى المصفاة  في ديسمبر/كانون الأول ربما لإعداد تقرير أكثر تفصيلا، وكان يرافق الفريق ضباط من الجيش وممثلون عن الحكومة المحلية لمحافظة صلاح الدين ومسؤول من أمن الوزارة. إلا أنهم منعوا من الدخول من قبل المليشيات المسيطرة على المصفاة، التي أطلقت النار في الهواء لإخافتهم بعد أخذ ورَد.

وقد وردت أنباء من منتسبي المصفاة الذين لا يزالون يعيشون بالقرب من المنطقة عن عمليات نهب كبيرة ومنظمة لمحتويات المخازن والمعدات الثقيلة المتحركة، كالرافعات والسيارات الناقلة ومولدات الكهرباء وغيرها. كما سرت إشاعة عن خطة لتفكيك ونقل مولدات ديزل بطاقة 84 ميغاواطا كانت قد نصبت قبيل الأحداث. وأبدى المنتسبون مخاوف من أن يمتد النهب والعبث إلى معدات المصفاة الثابتة وإلى أجهزة السيطرة، ومن أن تكون الحكومة عاجزة عن وقف المليشيات عند حدها.

وذكرت صحيفة القدس العربي يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي على لسان مسؤول أمني بأن النهب كان قد بدأ حتى قبل سيطرة قوات الحكومة الكاملة على المصفاة.

وأشارت وكالة المدى الإخبارية يوم 29 من نفس الشهر إلى رغبة الحكومة المحلية واستعدادها للمساعدة  في إعمار المصفاة. وذكرت صحيفة "مورننغ ستار" اليومية البريطانية يوم 30 أكتوبر /تشرين الأول أن المسلحين "اقتحموا أكبر مصفاة في العراق في مدينة بيجي ونهبوها بعد أسابيع من استعادة قوات الحكومة السيطرة على المجمع" ونسبت ذلك إلى مسؤول أمني الذي أضاف أن "المصفاة تتعرض إلى هجمة غير مسبوقة من النهب والتخريب".

تفكيك ونقل لإيران
أما الاتحاد الأوروبي العراقي للحرية (حرية) ومقره بروكسل ويرأسه سترون ستيفنسن الذي رأس سابقا وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع العراق بين 2009 و2014،  فقد ذكر يوم 23 ديسمبر/كانون الأول أن  "مصفاة بيجي -أكبر مصفى بالعراق- تفكك وتنقل إلى إيران". وأضاف أن "المليشيات تنهب المعدات الثقيلة والمكائن وأسلاك النحاس إضافة إلى ممتلكات المنتسبين الخاصة".

وهذا أمر صعب التصديق أو مبالغ فيه لو لم تظهر أخبار لاحقة تصب في نفس الاتجاه، خاصة وأن القدس العربي يوم 3 سبتمبر/أيلول  2015 أشارت إلى نشاط للحرس الثوري الإيراني في المنطقة.

وطوال هذه المدة، لم تخرج وزارة النفط عن صمتها لتكذب هذه الأخبار وتؤكد نيتها في المحافظة على المصفاة ومعداتها، وفي إعادة بناء المصفاة التي كانت تجهز ما يقرب من 40% من إنتاج العراق من المشتقات النفطية.

وقد فسر ذلك على احتمال أن الوزارة لا تستطيع الوقوف في وجه المليشيات، أو أنها أهملت متعمدة تصرفات المليشيات لتجعل عملية الإصلاح غير عملية.

والأهم من كل ذلك، أن "تقرير العراق النفطي" المتابع لأخبار العراق النفطية بانتظام قد صدر يوم 28 يناير/كانون الثاني بمقالة تخص مصفاة بيجي بعنوان "كان قابلا للإصلاح لكن نهب بعد ذلك".

وأكد التقرير كل ما ورد أعلاه واعتمد على مقابلات عدة لشهود عيان وضباط أمن في بغداد ومحافظة صلاح الدين، وحتى بعض ضباط المليشيات ومسؤولين كبار في وزارة النفط دون ذكر أسمائهم خوفا على حياتهم.

لكن التقرير لم يشر إلى فقدان أي من المعدات الرئيسية التي ستكون ضرورية في الإصلاح الجزئي.

وأكد أن إطلاق النار حدث لإجبار منتسبي الوزارة للعودة أدراجهم بقوله "إطلاق النار حدث بسبب كون المصفاة بعهدة المليشيات" وأن أحد ضباطها قال "لن يسمح لأي أحد بدخول المصفاة".

وأشيع -على صفحات التواصل الاجتماعي- أن رئيس مجلس محافظة صلاح الدين قد قال إن المصفاة ستغلق إلى أمد غير محدد لمنع العبث والسرقة حتى تتسلم الشرطة مسؤولية الحفاظ على المصفاة.

لكن تقرير العراق النفطي قال "إن بعض منتسبي المصفاة وضباط الأمن ادعوا أن الحكومة الاتحادية مرتاحة لتفكيك المنشآت" لأنها لا تريد أن تستثمر في منشآت رئيسية في مناطق تتمتع بوضع ديموغرافي كـ بيجي".

ويشير التقرير إلى أن هناك مزايدة تتم داخل المصفاة لبيع "غنائم الحرب". ويضيف أن "رجال أعمال من بغداد وإيران سمح لهم بالدخول إلى المصفاة للمزايدة على بعض المعدات المتحركة أو الثابتة". وإذا لم يكن هناك شك بالوجود والدور الإيراني في بيجي، فتبقى مسألة تفكيك المعدات ونقلها إلى إيران ممكنة، لكن بحاجة إلى إيضاحات أكثر.

وطبقا للتقرير، فإن "أحد كبار مسؤولي محافظة صلاح الدين حاول وقف عمليات السرقة بطرح الموضوع على رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزارة النفط وقيادة الحشد الشعبي، لكن الجميع أهملوا نداءه" بينما قامت إحدى نقاط التفتيش في بغداد بحجز خمس ناقلات كبيرة تحمل معدات من بيجي، وتم اقتيادها بتوجيه من وزارة النفط لإنزال المعدات المسروقة في أحد مواقعها. ونشر بعض الناشطين صورا للناقلات والمعدات.

وقال قائم مقام بيجي محمد محمود "إن أدوات ومعدات ومواد أخرى قد سرقت من مصفاة بيجي، وإن قوى الأمن قد بدأت إجراءات قانونية لمنع السرقات التي تعيق محاولة تشغيل المصفاة".

وفي اجتماع للمنتدى العراقي للنخب والكفاءات في إسطنبول مؤخرا، قلت إن الكلفة التعويضية للمصفى قد تصل إلى 12 مليار دولار، لذا على حكومة العراق مسؤولية كبيرة لوقف العبث بمنشآت المصفاة واستعادة المعدات المسروقة وعدم دفع العراقيين لليأس منها.
___________
خبير نفط عراقي

المصدر : الجزيرة

التعليقات