ياسين بودهان-الجزائر

يتوقع سياسيون وخبراء اقتصاد في الجزائر أن يكون إعلان البنك الأفريقي للتنمية إقراض بلادهم تسعمئة مليون يورو (995 مليون دولار)، فاتحة لمجموعة قروض أخرى بعد امتناع استمر سنوات، من أجل مواجهة مطالب اقتصادية واجتماعية ملحّة.

وكان البنك الأفريقي للتنمية أعلن في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري موافقة مجلس إدارته على منح الجزائر هذا القرض لمساعدتها في دعم برنامج التنافسية الصناعية والطاقة، ومن أجل ضبط الأوضاع المالية للبلاد من خلال تحسين تعبئة الإيرادات وترشيد النفقات، والمساهمة في خلق اقتصاد متنوع وثروة داخلية.

وأشار البنك إلى أن هذا القرض يأتي بعد تراجع مداخيل الجزائر بسبب تراجع أسعار النفط؛ مما يفرض على الجزائر -وفق رؤيته- تطبيق سياسة اقتصادية حذرة تقوم على التحكم في الميزانية ودعمها.

ويعد هذا القرض الأول من نوعه منذ السداد المبكر للديون الخارجية عام 2008، التي قاربت 33 مليار دولار أواخر 2007.

التحول الجزائري
ومن المفارقات أن الجزائر بادرت بإلغاء ديون بقيمة 902 مليون دولار في مايو/أيار 2013 على الدول الـ14 الأقل نموا في الاتحاد الأفريقي.

طفرة الطاقة مكنت الجزائر من سداد ديونها الخارجية عام 2008 لكن الأحوال تغيرت (غيتي)

وبسبب تهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ يونيو/حزيران 2014، وتراجع عائدات البلاد بأكثر من النصف، حملت تصريحات المسؤولين الجزائريين خلال الأشهر الأخيرة إشارات إلى إمكانية العودة للاستدانة الخارجية، خاصة مع توقعات ببلوغ العجز في ميزانية الجزائر سقفا غير مسبوق عند 32 مليار دولار، وهو الأعلى في تاريخ البلاد.

لكن تصريحات المسؤولين بشأن الاستدانة أثارت إلى حد كبير مخاوف الجزائريين الذين يتذكرون تجربة بلادهم المريرة مع صندوق النقد الدولي ومختلف المؤسسات المالية التي أقرضت الجزائر خلال تلك الفترة وقبلها، بعد أن فرضت شروطا مجحفة، كانت لها انعكاسات قاسية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للجزائريين.

قروض أخرى
بيد أن الوضع الاقتصادي والمالي للجزائر حاليا يجبر الحكومة على الاستدانة الخارجية، حسب رأي عضو لجنة المالية في البرلمان الجزائري يوسف خبابة.

خبابة: الحكومة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من التنمية (الجزيرة)

ويقول خبابة إن "مؤشرات هذه الخطوة تبرز من خلال موازنة 2017"، التي تؤشر على أن "قرض البنك الأفريقي سيكون فاتحة لقروض أخرى قد تكون بعيدة عن البنك الدولي وناديي لندن وباريس، وستقصد فيها الجزائر المؤسسات المالية الدولية التي تمتلك فيها إسهامات على غرار البنك الأفريقي، أو البنك العربي، وبعض صناديق الاستثمار العربية".

ومن مؤشرات لجوء الجزائر إلى قروض أخرى في المستقبل القريب -حسب حديثه للجزيرة نت- "ازدياد الوضع الاقتصادي حدة وتعقيدا، خاصة في ظل تلويح الجبهة الاجتماعية برفضها لبعض الإجراءات المتخذة خلال الأشهر الأخيرة، على غرار إلغاء نظام التقاعد النسبي والمسبق".

ويرى خبابة أن الحكومة ستلجأ إلى فك الخناق عن بعض القضايا والملفات الاقتصادية، وبعض الاستثمارات الضرورية، للحفاظ على الحد الأدنى من التنمية والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب تمويلا أكبر، مثل شركة الكهرباء التي باشرت مخطط توسع يتطلب 13 مليار دولار لتلبية الطلب على الطاقة.

ويوضح أن "هذه الشركة الحكومية استنفدت الآن كل القروض الممنوحة لها من البنوك العمومية، وهي بحاجة إلى مفاوضات خارج هذه البنوك، لتتحصل على هذه القروض لإنجاز مشاريعها".

وسيلة ضغط
من جانبه، توقع أستاذ الاقتصاد بجامعة البليدة فارس مسدور أن يكون هذا القرض فاتحة لقروض أخرى.

مسدور يخشى أن تتحول القروض إلى وسيلة ضغط على الجزائر (الجزيرة)

ورغم أنه عبّر في حديثه للجزيرة نت عن "مخاوفه من تحول هذه القروض إلى وسيلة ضغط على الجزائر"، فإنه يرى أن "الأمر المطمئن هو أن هذا القرض مصدره مؤسسة مالية تمتلك فيها الجزائر ودائع مالية، وذلك يعني أنها تستغل هذه المساهمة".

وبخصوص الخيارات التي تملكها الجزائر في المرحلة الراهنة، والتي تمكنها من تفادي المديونية الخارجية، وتحقق التنوع الاقتصادي بعيدا عن النفط والغاز، أكد مسدور أن الجزائر تمتلك إمكانات كبيرة لتحقيق ذلك خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا.

لكنه أضاف أن ذلك مشروط بفتح الباب واسعا أمام الشراكة الأجنبية الجادة، على غرار فتح مجال الاستثمار الفلاحي للصينيين، إلى جانب الاستثمار في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع المناطق الاقتصادية الحرة.

المصدر : الجزيرة