جوزيف ستيغليتز

التقشف وضعف الطلب
فشل البنوك

كان 2015 عاما صعبا من كل الجهات وعلى كافة المستويات، فقد انزلقت البرازيل إلى الركود، وشهد الاقتصاد الصيني أولى عثراته الخطيرة بعد ما يقرب من أربعة عقود من النمو السريع. وتمكنت منطقة اليورو من تجنب الانهيار بسبب اليونان لكن حالة من شبه الركود استمرت هناك وتساهم في قدوم ما سيعد بعد ذلك عقدا ضائعا بكل تأكيد. أما عن الولايات المتحدة، فكان المفترض أن ينتهي -بنهاية عام 2015- آخر فصول أزمة الركود العظيم التي بدأت في عام 2008، ولكن ما حدث هو أن التعافي الأميركي كان متواضعا.

وقد وصفت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد الحالة الراهنة للاقتصاد العالمي بأنها "الاعتيادي الجديد". ويخشى آخرون، من أولئك الذين يعودون بذاكرتهم إلى التشاؤم العميق الذي ساد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أن ينزلق الاقتصاد العالمي إلى الكساد، أو على الأقل الركود المطول.

في أوائل عام 2010، حذرتُ في كتابي "السقوط الحر" الذي يصف الأحداث التي أدت إلى اندلاع أزمة الركود العظيم، من أن العالم يخاطر في غياب الاستجابة اللائقة بالانزلاق إلى ما أسميته بـ"الوعكة الكبرى". وللأسف كنت على حق، فنحن لم نقم بالعمل المطلوب وانتهت بنا الحال إلى ما خشيت أننا كنا في الطريق إليه على وجه التحديد.

التقشف وضعف الطلب
الواقع أن الحسابات الاقتصادية لهذه الحالة من الجمود يسهل فهمها، وسبل العلاج متاحة بسهولة. إن العالم يواجه نقصا في الطلب الكلي، والذي كان ناجما عن تركيبة تألفت من اتساع فجوة التفاوت وموجة هوجاء من التقشف المالي. ولأن أصحاب أعلى الدخول ينفقون أقل كثيرا مما ينفقه أصحاب أدنى الدخول، فإن الطلب يتجه إلى الانخفاض مع تحرك المال إلى الأعلى. وتساهم بلدان -مثل ألمانيا التي تحافظ بشكل ثابت على فوائض خارجية- إلى حد بعيد في تفاقم مشكلة عدم كفاية الطلب الكلي.

العالم يواجه نقصا في الطلب الكلي، والذي كان ناجما عن تركيبة تألفت من اتساع فجوة التفاوت وموجة هوجاء من التقشف المالي. ولأن أصحاب أعلى الدخول ينفقون أقل كثيرا مما ينفقه أصحاب أدنى الدخول، فإن الطلب يتجه إلى الانخفاض مع تحرك المال إلى الأعلى

من ناحية أخرى، تعاني الولايات المتحدة من تقشف مالي أخف وطأة من السائد في أوروبا. فكان عدد العاملين الذين عينهم القطاع العام في الولايات المتحدة أقل بنحو خمسمئة ألف شخص ممن كان يجري تعيينهم قبل الأزمة. ولو جرى التوسع في التوظيف الحكومي بوتيرة طبيعية منذ عام 2008، لكان العدد قد زاد بنحو مليونين.

وعلاوة على ذلك، فإن جزءا كبيرا من العالم يواجه بصعوبة مسألة التغيير الهيكلي الذي تشتد الحاجة إليه: من التصنيع إلى الخدمات في أوروبا وأميركا، ومن النمو القائم على التصدير إلى الاقتصاد المدفوع بالطلب المحلي في الصين. وعلى نحو مماثل، فشلت أغلب الاقتصادات التي تعتمد على الموارد الطبيعية في أفريقيا وأميركا اللاتينية، في اغتنام الفرصة التي وفرتها طفرة أسعار السلع الأولية -التي ترتبت على صعود الصين- في إنشاء اقتصاد متنوع، وهي الآن تواجه العواقب المترتبة على انخفاض أسعار صادراتها الرئيسية. ولم تكن الأسواق قادرة قط على إحداث هذه التحولات الهيكلية بسهولة من تلقاء ذاتها.

هناك احتياجات عالمية ضخمة لم تلبَّ بعد، ومن الممكن أن تساعد في حفز النمو. فمشاريع البنية التحتية وحدها قادرة على امتصاص تريليونات الدولارات من الاستثمارات، ليس في العالم النامي فقط، بل أيضا في الولايات المتحدة التي كانت مقصرة في الاستثمار في بنيتها التحتية لعقود من الزمن. وعلاوة على ذلك، يتعين على العالم بأسره أن يعدل ممارساته حتى يتمكن من مواجهة واقع الاحتباس الحراري.

فشل البنوك
ورغم عودة بنوكنا إلى مستوى معقول من الصحة، فقد أظهرت عدم صلاحيتها لتلبية الغرض منها. فهي تتفوق في الاستغلال والتلاعب بالسوق، ولكنها فشلت في أداء وظيفتها الأساسية المتمثلة في الوساطة. فبين المدخرين لآجال طويلة (مثل صناديق الثروة السيادية وأولئك الذين يدخرون للتقاعد) والاستثمار الطويل الأجل في البنية التحتية، يقف قطاعنا المالي المختل القصير النظر.

بعض مشاكل العالم الأكثر أهمية سوف تتطلب استثمارات حكومية. فمثل هذه النفقات مطلوبة في مجالات البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والبيئة وتيسير التحولات اللازمة في كل ركن من أركان الأرض

ذات يوم، قال الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) بن برنانكي إن العالم يعاني من "تخمة ادخار". وربما كان الحال كذلك لو كان الاستخدام الأفضل للمدخرات العالمية هو الاستثمار في مساكن رديئة في صحراء نيفادا. أما في العالم الحقيقي، فهناك نقص في الأموال، وحتى المشاريع ذات العوائد الاجتماعية المرتفعة كثيرا ما تعجز عن الحصول على التمويل.

يتلخص العلاج الوحيد للوعكة العالمية، في زيادة الطلب الكلي. وقد يساهم في ذلك إعادة توزيع الدخل على المدى البعيد، وكذا الإصلاح العميق لنظامنا المالي، ليس بالاكتفاء بمنعه من إلحاق الضرر بنا، بل أيضا بحمل البنوك وغيرها من المؤسسات المالية على القيام بما يفترض أن تقوم به: التوفيق بين المدخرات الطويلة الأجل واحتياجات الاستثمار الطويلة الأجل.

بيد أن بعض مشاكل العالم الأكثر أهمية سوف تتطلب استثمارات حكومية. فمثل هذه النفقات مطلوبة في مجالات البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والبيئة وتيسير التحولات اللازمة في كل ركن من أركان الأرض.

الواقع أن العراقيل التي يواجهها الاقتصاد العالمي لا ترجع إلى أسباب اقتصادية، بل سياسية وأيديولوجية. فقد خلق القطاع الخاص التفاوت بين الناس وتسبب في تدهور البيئة، وهو ما بات لزاما علينا اليوم أن نتعامل معه. ولن تتمكن الأسواق من حل هذه المشاكل الحرجة وغيرها من المشاكل التي خلقتها، أو استعادة الازدهار، من تلقاء ذاتها. والحاجة واضحة إلى سياسات حكومية نشطة.

وهذا يعني بالضرورة التغلب على هوس العجز. فمن المنطقي أن تلجأ دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا -التي تستطيع الاقتراض بأسعار فائدة حقيقية سلبية- إلى الاقتراض لتنفيذ الاستثمارات اللازمة. وعلى نحو مماثل، في أغلب الدول الأخرى، تجاوزت معدلات العائد على الاستثمار العام تكاليف التمويل إلى حد كبير. أما عن الدول التي توجد فيها قيود على الاقتراض، فهناك سبيل للخروج يستند إلى مبدأ معمول به منذ فترة طويلة، ويتمثل في مضاعف الميزانية المتوازنة: فالزيادة في الإنفاق الحكومي التي تصاحبها زيادة مماثلة في الضرائب تعمل على تحفيز الاقتصاد. ولكن من المؤسف أن العديد من البلدان -بما في ذلك فرنسا- منشغلة بتقليص الميزانية.

يقول المتفائلون إن عام 2016 سيكون أفضل من عام 2015. ولعل هذه النبوءة تصدق حقا، ولكن بدرجة غير ملحوظة. وما لم نعمل بجدية على معالجة مشكلة نقص الطلب الكلي العالمي، فسوف تستمر الوعكة الكبرى.

----
حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ في جامعة كولومبيا، وكبير الاقتصاديين لدى معهد روزفلت

المصدر : بروجيكت سينديكيت