حزام واحد وطريق واحد
أي النموذجين له الغلبة؟

تجري حاليا منافسة تاريخية بشأن نماذج التنمية أو إستراتيجيات تعزيز النمو الاقتصادي بين الصين من جهة والولايات المتحدة والبلدان الغربية من جهة أخرى، ورغم أن هذه المنافسة محتجبة إلى حد كبير عن مراصد الرأي العام فسوف تحدد نتيجتها مصير جزء كبير من أوراسيا لعقود قادمة.

يدرك أغلب الغربيين أن معدل النمو تباطأ بشكل كبير في الصين من أكثر من 10% سنويا في العقود الأخيرة إلى أقل من 7% اليوم (بل وربما أقل)، ولم يقف قادة الصين مكتوفي الأيدي في الاستجابة لهذا التغير فسعوا إلى التعجيل بالتحول من نموذج النمو القائم على التصدير الضار بالبيئة الذي يعتمد على الصناعات التحويلية الثقيلة إلى نموذج قائم على الاستهلاك المحلي والخدمات.

حزام واحد وطريق واحد
بيد أن خطط الصين لا تخلو أيضا من بعد خارجي كبير، ففي عام 2013 أعلن الرئيس شي جين بينغ عن مبادرة ضخمة هي "حزام واحد، وطريق واحد" والتي من شأنها أن تحول الجوهر الاقتصادي لأوراسيا.

يتألف عنصر حزام واحد من شبكة من السكك الحديدية تمتد من غرب الصين عبر آسيا الوسطى ومن ثم إلى أوروبا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.

أما عنصر الطريق الواحد فيتألف من موانئ ومرافق الهدف منها زيادة حركة مرور البضائع المنقولة بحرا من شرق آسيا وربط هذه الدول بالحزام الواحد، الأمر الذي يوفر لها طريقا لنقل بضائعها برا بدلا من عبور محيطين كما يحدث حاليا.

الغرض من مبادرة حزام واحد وطريق واحد هو تطوير القدرة الصناعية والطلب الاستهلاكي في بلدان خارج الصين، وبدلا من استخراج المواد الخام تسعى الصين إلى تحويل صناعتها الثقيلة إلى البلدان الأقل نموا

وقد صمم البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي تقوده الصين، والذي رفضت الولايات المتحدة الانضمام إليه في عام 2015، لتمويل مبادرة حزام واحد وطريق واحد جزئيا، ولكن بالنسبة لاحتياجات المشروع الاستثمارية تبدو موارد هذه المؤسسة الجديدة ضئيلة للغاية.

الواقع أن مبادرة حزام واحد وطريق واحد تمثل تحولا لافتا للنظر في السياسة الصينية، فللمرة الأولى تسعى الصين إلى تصدير نموذج التنمية إلى بلدان أخرى.

كانت الشركات الصينية بطبيعة الحال بالغة النشاط في مختلف بلدان أميركا اللاتينية ومنطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا في العقد الماضي، فاستثمرت في السلع الأولية والصناعات الاستخراجية والبنية التحتية اللازمة لنقلها إلى الصين.

لكن مبادرة حزام واحد وطريق واحد مختلفة، إذ يتلخص الغرض منها في تطوير القدرة الصناعية والطلب الاستهلاكي في بلدان خارج الصين، وبدلا من استخراج المواد الخام تسعى الصين إلى تحويل صناعتها الثقيلة إلى البلدان الأقل نموا، وهو ما من شأنه أن يجعلها أكثر ثراء ويشجع الطلب على المنتجات الصينية.

يختلف نموذج التنمية في الصين عن ذلك الشائع حاليا في الغرب، فهو يقوم على الاستثمارات الضخمة التي تقودها الدولة في مشاريع البنية التحتية -الطرق والموانئ والكهرباء والسكك الحديدية والمطارات- التي تسهل عملية التنمية الصناعية.

ويستنكر خبراء الاقتصاد الأميركيون هذا المسار الذي يعتمد على البناء ثم انتظار العائد، نظرا لمخاوف تتعلق بالفساد واستغلال المنصب عندما تشارك الدولة بقوة، وعلى النقيض من ذلك ركزت إستراتيجية النمو في الولايات المتحدة وأوروبا في السنوات الأخيرة على الاستثمارات الضخمة في مجالات الصحة العامة وتمكين المرأة ودعم المجتمع المدني العالمي وتدابير مكافحة الفساد.

ورغم أن هذه الأهداف الغربية جديرة بالثناء لم تتمكن أي دولة من تحقيق الثراء من خلال الاستثمار فيها وحدها، صحيح أن الصحة العامة تشكل شرطا مسبقا مهما لتحقيق النمو المستدام، ولكن إذا كانت عيادة ما تفتقر إلى الإمدادات التي يمكن التعويل عليها من الطاقة الكهربائية والمياه النظيفة أو كانت الطرق المؤدية إليها رديئة فلن يستفيد منها الناس كثيرا.

وقد حققت إستراتيجية الصين القائمة على البنية التحتية نجاحا لافتا للنظر في الصين ذاتها، وكانت تشكل عنصرا مهما في الإستراتيجيات التي تبنتها بلدان أخرى في شرق آسيا، من اليابان إلى كوريا الجنوبية إلى سنغافورة.

أي النموذجين له الغلبة؟
ويأتي السؤال الأكبر في ما يتعلق بمستقبل السياسة العالمية واضحا وصريحا: أي نموذج ستكون له الغلبة؟ إذا لبت مبادرة حزام واحد وطريق واحد توقعات المخططين الصينيين فسوف تتحول أوراسيا بأسرها، من إندونيسيا إلى بولندا في الجيل القادم، وسوف يزدهر نموذج الصين خارج الصين فترتفع الدخول وبالتالي الطلب على المنتجات الصينية التي ستحل محل الأسواق الراكدة في أجزاء أخرى من العالم.

وسوف تنتقل الصناعات الملوثة أيضا إلى أجزاء أخرى من العالم، وبدلا من كونها منطقة واقعة على المحيط الخارجي للاقتصاد العالمي سوف تصبح آسيا الوسطى في قلبه، وسوف يكتسب نموذج الحكم السلطوي في الصين مكانة بارزة، وهو ما يعني ضمنا تأثيرا سلبيا كبيرا على الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.

ينبغي للولايات المتحدة أن تصبح عضوا مؤسسا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، فلا يزال بوسعها أن تنضم وتدفع الصين نحو قدر أعظم من الالتزام بالمعايير الدولية للبيئة والسلامة والعمل

ولكن هناك من الأسباب المهمة ما يحملنا على التساؤل بشأن إمكانية نجاح مبادرة حزام واحد وطريق واحد، لقد حقق النمو القائم على البنية التحتية نجاحا ملموسا في الصين حتى الآن لأن الحكومة الصينية كانت قادرة على السيطرة على البيئة السياسية، ولن تكون هذه هي الحال في الخارج، حيث سيتداخل عدم الاستقرار والصراع والفساد مع الخطط الصينية.

وبالفعل، وجدت الصين نفسها في مواجهة أصحاب المصالح الغاضبين، والمشرعين القوميين، والأصدقاء المتقلبين في أماكن مثل الإكوادور وفنزويلا، حيث تنفذ الصين حاليا استثمارات ضخمة، وقد تعاملت الصين مع المسلمين الغاضبين في إقليم شينغيانغ من خلال الحرمان والقمع، ولن تفلح تكتيكات مماثلة في باكستان أو كزاخستان.

بيد أن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات الغربية يمكن أن تركن إلى الشعور بالرضا عن الذات وتنتظر فشل الصين، صحيح أن إستراتيجية المشاريع الضخمة في تنمية البنية التحتية ربما بلغت منتهاها داخل الصين، وقد لا تنجح في بلدان أجنبية لكنها لا تزال تشكل أهمية بالغة للنمو العالمي.

كانت الولايات المتحدة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين مواظبة على بناء السدود الضخمة وشبكات الطرق إلى أن أصبحت هذه المشاريع خارج النمط السائد، واليوم لم يعد لدى الولايات المتحدة سوى القليل نسبيا الذي يمكنها تقديمه للبلدان النامية في هذا الصدد، صحيح أن مبادرة "تمكين أفريقيا" التي طرحها الرئيس باراك أوباما فكرة جيدة، ولكنها كانت بطيئة في الإقلاع من الأرض كما انتهت الجهود لبناء ميناء فورت ليبرتي في هايتي إلى الفشل.

ينبغي للولايات المتحدة أن تصبح عضوا مؤسسا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، فلا يزال بوسعها أن تنضم وتدفع الصين نحو قدر أعظم من الالتزام بالمعايير الدولية للبيئة والسلامة والعمل.

وفي الوقت نفسه، يتعين على الولايات المتحدة والدول الغربية أن تسأل نفسها: لماذا أصبح تشييد البنية التحتية صعبا إلى هذا الحد، ليس فقط في البلدان النامية بل وفي الداخل أيضا، وما لم نفعل هذا فإننا نجازف بالتخلي عن مستقبل أوراسيا وغيرها من الأجزاء المهمة في العالم لصالح الصين ونموذجها التنموي.

ـــــــــــــــــــ
زميل أول لجامعة ستانفورد، ومدير مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون

المصدر : بروجيكت سينديكيت