تدرس السعودية خيارات لطرح أسهم شركة أرامكو النفطية العملاقة في البورصة، ضمن خطط جريئة للإصلاح الاقتصادي تهدف لزيادة الكفاءة وتعزيز دور القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل في ظل تراجع عائدات النفط.

هيا السهلي-الدمام

من أجل الإصلاح الاقتصادي والانعتاق من متلازمة الإنفاق الحكومي وتقلبات أسعار النفط، تعمل السعودية على إعادة هيكلة الاقتصاد وتحرير أسواقه، من خلال خصخصة قطاعات حكومية.

وتدرس الحكومة السعودية خصخصة قطاعي الصحة والتعليم اللذين يستقطعان ما يقارب نصف موازنتها، حيث بلغ حجم الإنفاق عليهما عام 2015 نحو مئة مليار دولار، بالإضافة إلى خصخصة قطاعات عسكرية وشركات مملوكة للدولة، بما في ذلك احتمال خصخصة جزء من شركة أرامكو أكبر شركة نفط في العالم.

وكان الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي قد صرح مؤخرا بأن السعودية تدرس طرح أسهم من شركة أرامكو في البورصة. وفي وقت لاحق نقلت وكالة رويترز عن مصادر قولها إن أرامكو تدرس طرح أسهم شركات تابعة تعمل في قطاع تكرير النفط، لكنها لا تتجه لبيع أسهم في الشركة الأم أو في عملياتها في قطاع التنقيب وإنتاج النفط.

تجارب سابقة
ولا يخفي اقتصاديون سعوديون قلقا بشأن نجاح هذه الخطوة، إذ يرون أن المملكة تفتقر لتجربة خصخصة ناجحة يمكن اتخاذها نموذجا يحتذى به، ويخشون تكرار تجربة خصخصة قطاع الكهرباء التي مرّ عليها 12 عاما وما زالت تعاني الفشل.

السعودية تسعى لتوطين العمالة وتوفير المزيد من فرص العمل (رويترز-أرشيف)

ومن جهة أخرى يربط الاقتصاديون نجاح التوسع في الخصخصة بخفض الاستقدام وتقنين وحوكمة ملكية الشركات الكبرى.

وحيال القلق الذي سببته التجارب السابقة، يقول الباحث في اقتصاد المعرفة خالد الحارثي إن التجارب "لم تراع نصوص واشتراطات إستراتيجية التخصيص، والدور الرقابي كان خجولا جدا، مما أنتج المزيد من فشل التوطين والمزيد من فشل الابتكار وتفاقم المشكلات على الأجيال".

ويضيف الحارثي في حديثه للجزيرة نت أن هذه المرحلة تعتمد على "مستويات التمركز حول مصالح المواطن لتغليب المصالح الوطنية على عقبات الواقع، حيث توطين المهنة لا يزال يعاني بسبب بقاء بيئات العمل الطاردة للتوطين".

ويزداد قلق الاقتصاديين بشكل خاص حول أرامكو نظرا لضخامتها وتعدد نشاطاتها، فهي بشكل عام تشرف على عشرات من الأنشطة العملاقة مثل الاستكشاف والتنقيب عن النفط وإنتاجه.

ويرى اقتصاديون أن من المهم بقاء أرامكو ملكا للدولة تحت مظلة واحدة، وليس من الصالح بعثرتها في شركات خاصة، بحسب رأيهم.

ويقول عضو مجلس الشورى السابق سالم المري إن هناك جملة من الأسباب تدعو للتريث في خصخصة أرامكو، من أهمها أن النفط "مورد ناضب والاستثمار الرشيد يحتم وجوده تحت جهة حكومية تضع إستراتيجية مركزية لاستغلاله".

وفي السياق نفسه يشدد رئيس مركز السياسات البترولية والتوقعات الإستراتيجية راشد أبانمي -في حديثه للجزيرة نت- على تكوين لجنة عليا لتخطيط ومتابعة أرامكو السعودية، وعدم ترك الإصلاح لإدارة الشركة حتى لا تتكرر تجربة الكهرباء.

آراء بشأن التوقيت
وعلى عكس المخاوف التي يتبناها البعض، يعتبر الباحث خالد الحارثي الطرح المحتمل لأرامكو خطوة موفقة وجريئة في توقيتها، وهي أجدر مشروعات التخصيص بتجسيد اشتراطات "إستراتيجية الخصخصة" المنصوص عليها، بـ"أن يترتب على ذلك منفعة حقيقية في تخفيض التكلفة وحسن الأداء وتشغيل المواطنين".

سعر برميل النفط هبط مؤخرا إلى مستويات دون 28 دولارا (رويترز)

في المقابل، لا يرى المري التوقيت مناسبا الآن في ظل انخفاض أسعار النفط، ويفضل أن تكون الخصخصة في وقت ارتفاع أسعاره.

ويقول المري "وفقا لتقديرات أرامكو يبلغ احتياطي البترول المؤكد تحت الأرض حوالي 260 مليار برميل، فعندما يكون سعر البرميل مئة دولار فإن هذا يعني نظريا أن قيمة بترول أرامكو تساوي 26 تريليون دولار، بينما عندما ينخفض سعر البرميل من مئة إلى 35 دولارا فإن القيمة السعرية لبترول أرامكو ستنخفض إلى 9.1 تريليونات دولار".

كما يستبعد المري وفرة الوظائف من خلال خصخصة أرامكو في ظل انخفاض دخلها وتوقفها العملي عن التوظيف المباشر منذ عقود، بل يخشى أن تكون النتيجة عكسية على العمالة الوطنية فتتخلص الشركات المخصخصة من العمالة الوطنية وتجلب عمالة آسيوية أقل كلفة.

وحتى الآن لم تعلن خطة محددة لطرح أسهم أرامكو، لكن يتوقع اقتصاديون أن تقوم الشركة بتقليم أنشطتها من خلال طرحها للمشاريع التي تشكل عبئا عليها.

وتحتل أرامكو المرتبة الأولى بين شركات النفط العالمية من حيث إنتاج وتصدير النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي، وتتولى إدارة احتياطيات نفط تبلغ نحو 261 مليار برميل، وهو ما يزيد على 15% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية.

المصدر : الجزيرة