افتكار مانع-موسكو

تشهد أعداد العمالة الوافدة في روسيا تراجعا لافتا، لا سيما من طاجكستان وأوزبكستان بسبب استمرار الأزمة الاقتصادية وانهيار الروبل وانعكاساتها على مداخيل العمال.

وتشير بيانات جديدة نشرتها دائرة الهجرة الروسية منتصف الشهر الجاري، إلى أن أعداد العمال الأوزبك والطاجيك العاملين في روسيا (11 مليونا) تقلصت بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

كما تظهر إحصاءات نشرها البنك المركزي الروسي إلى أن تحويلات العمال الأوزبك إلى بلادهم انخفضت من 6.7 مليارات دولار عام 2013 إلى مليارين عام 2014، لتصل إلى أدنى مستوياتها عام 2015 حيث بلغت 700 مليون دولار.

إيرينا: انخفاض قيمة الروبل والغلاء
قلصا مداخيل العمالة الأجنبية
(الجزيرة)

وكشفت دراسات رسمية حاجة روسيا إلى العمالة الأجنبية لزيادة الإنتاجية وتلبية الطلب، إذ يشكو الكثير من أرباب العمل صعوبة إيجاد الأيدي العاملة الروسية، رغم المحفزات التي لا يحصل عليها عادة العمال الأجانب.

وتبلغ حصة مساهمة العمال الأجانب في الناتج القومي الروسي ما بين 6 إلى 10 مليارات دولار سنويا، بنحو 0.5% من الإجمالي العام، حيث تستخدمهم ثلث الشركات الروسية.

ويشكل العامل الديمغرافي واحدا من العوامل المهمة التي تزيد حاجة روسيا إلى العمالة الأجنبية لتدني معدلات الإنجاب وزيادة معدلات الوفاة وارتفاع نسبة المسنين، إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة المتقاعدين الروس ستشكل نحو 30% من تعداد السكان بحلول العام 2030.

كما تشير دراسات أجرتها دائرة الإحصاءات الروسية إلى أن أعداد المواطنين القادرين على العمل تنخفض عمليا بمقدار مليون شخص سنويا. وكان رئيس مصلحة الهجرة رمضانوفسكي قد صرح العام الماضي بأن حاجة روسيا إلى الأيدي العاملة يستدعي نظر الحكومة في القوانين الناظمة لتواجدهم وعملهم في البلاد.

عوامل متعددة
تقول الباحثة الاقتصادية إيرينا عيدروس "هناك عوامل عدة تقف وراء التراجع الكبير في أعداد العمال الوافدين من آسيا الوسطى، وفي مقدمتها الأزمة الاقتصادية، وانخفاض قيمة الروبل أمام الدولار والغلاء، مما خفض مداخيلهم وتحويلاتهم الخارجية، بالإضافة إلى مشاكل تقليص الرواتب وتأخيرها في بعض الأحيان".

وتضيف إيرينا للجزيرة نت "هناك أسباب أخرى تعود إلى تشديد روسيا قوانينها الخاصة بالعمل والإقامة، فمنذ بداية العام أصبح لزاما على مواطني دول الكومنولث المعفيين من التأشيرة الحصول على تصاريح عمل، مما يرفع تكلفة تواجدهم في روسيا"، موضحة أن القوانين الجديدة شددت نظام العقوبات بحق المخالفين والعمال غير الشرعيين، كالحرمان من دخول روسيا لمدد تتراوح ما بين ثلاث وعشر سنوات.

وتشير إلى أن أعداد العمال غير الشرعيين يقدر بنحو ثلاثة ملايين عامل، وإذا لم يسارعوا لتسوية أوضاعهم فلن يكون بمقدورهم العودة إلى روسيا مجددا.

نغماتولين: الفساد بالجهاز الحكومي أوجد جيشا من العمال غير الشرعيين (الجزيرة)

ويعمل المهاجرون من آسيا الوسطى في وظائف غير جاذبة للمواطن الروسي من حيث ساعات العمل والمجهود الجسمي والراتب. لكن في ظل الأزمة الاقتصادية قد تتغير الأحوال، خاصة وسط الطلاب وكبار السن وغير الحاصلين على تعليم أكاديمي عال.

وتعد روسيا الدولة الأولى في استقدام العمالة الأوزبكية والطاجيكية التي تعمل في قطاعات الإنشاءات، والزراعة والصناعة، والتجارة والخدمات العامة.

إصلاحات سوق العمالة
ويرى المحلل الاقتصادي تيمور نيغماتولين أن روسيا بدأت تدرك أن سياستها المتعلقة بالعمالة الأجنبية افتقرت في الماضي إلى التنظيم والرؤية المستقبلية، لا سيما أن نظام الحصص في استقدام العمالة من بعض دول الاتحاد السوفياتي سابقا، لم يكن مبنيا على إحصاءات دقيقة لتحديد المجالات التي يحتاجها الاقتصاد والتنمية الروسية.

ويقول نيغماتولين في حديثه للجزيرة نت إن الفساد في الجهاز الحكومي سهل حدوث تجاوزات، مما أوجد جيوشا من العمال غير الشرعيين لا يسجلون أنفسهم في دوائر الهجرة، لكن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد دفعت أعدادا كبيرة منهم للعودة إلى أوطانهم.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن العمالة الأوزبكية والطاجيكية في غالبها غير مؤهلة وغير مدربة، بينما تتجه روسيا إلى مراجعة سياسة استقدام العمالة باتجاه استقدام ما تحتاجه من عمالة متخصصة ومؤهلة، مع إمكانية منحهم الجنسية لاحقا.

المصدر : الجزيرة