سعد الله الفتحي

عندما قال وزير النفط السعودي علي النعيمي عام 2014 إنه  لن يخفض الإنتاج حتى لو وصل سعر النفط إلى عشرين دولارا للبرميل، فإنه كان يعي تماما أن سياسة دفع أوبك لرفع حصتها في سوق النفط قد تؤدي فعلا إلى انخفاض كبير في سعر النفط قبل أن يتحقق للمنظمة -أو بعض دولها- ما تريده.

الآن قد تحقق التنبؤ تقريبا. فسعر سلة خامات أوبك وصلت إلى نحو 25 دولارا للبرميل بينما انخفض سعر نفط برنت الى أقل من ثلاثين دولارا للبرميل، وهو مؤشر للانخفاض المستمر الذي بدأ منذ يونيو/حزيران 2014 عندما كان سعر البرميل 110 دولارات أي قبل شروع المعركة للحصول على حصة أكبر في السوق.

وفي بقاء الأوضاع على حالها لا يسعنا إلا أن نقول إن انخفاض الأسعار بلغ نهايته.

اختلال ميزان العرض والطلب
معركة النفط الصخري
توقعات بعيدا عن التفاؤل  

اختلال ميزان العرض والطلب
لعل السبب الرئيسي في انخفاض الأسعار هو وجود اختلال كبير في ميزان العرض والطلب حيث زيادة العرض تتجاوز كثيرا النمو في الطلب، كما أن زيادة إنتاج أوبك إلى مستويات غير مسبوقة جاءت في وقت لايزال إنتاج دول خارج أوبك يرتفع ولو بدرجة أقل من السابق.

فمعدل إنتاج أوبك عام 2015 يقرب من 31 مليون برميل يوميا، بينما كان المطلوب لموازنة العرض والطلب ألا يتجاوز 29.4 مليون برميل.

لعل السبب الرئيسي في انخفاض الأسعار هو وجود اختلال كبير في ميزان العرض والطلب حيث زيادة العرض تتجاوز كثيرا النمو في الطلب

فالفرق إذن ذهب لتعزيز المخزونات في الدول المستوردة خاصة الدول الصناعية. وربما حدث الشيء ذاته في النصف الثاني من 2014 إذ أضيفت كميات كبيرة إلى المخزنات أيضا على عكس ما حدث عام 2013 من سحب منها.

لا غرابة إذن أن مستوى المخزونات التجاري في الدول الصناعية -منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية- ارتفع بمعدلات عالية ليصل في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 2971 مليون برميل، أو ما يزيد بمقدار 244 مليون برميل عن معدل السنوات الخمس الماضية وربما تجاوز ثلاثمئة مليون برميل نهاية 2015.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن الزيادة في المخزونات ستستمر على الأقل إلى وقت متأخر من 2016 ولو بمعدلات أقل مما حدث عام 2015.

وتضيف الوكالة أن "طاقات التخزين الاحتياطية والجديدة كافية لاستيعاب زيادة ثلاثمئة مليون برميل متوقعة" بعد أن ظهر شك في السوق حول امتلاء الخزانات.

وأوضحت تقارير أخرى أن هناك مشاريع تخزين جديدة وأن خزانات الولايات المتحدة مشغولة لحد 70% فقط.

وعلى الرغم من زيادة الطلب عام 2015 بما يقرب من 1.53 و1.8 مليون برميل باليوم بموجب تقديرات أوبك ووكالة الطاقة الدولية على التوالي،  فإن تقديرات 2016 متواضعة بالقياس وهي 1.25 و1.2 مليون برميل باليوم على التوالي بالنسبة للمنظمتين.

هذا التراجع في نمو الطلب يحدث بسبب أوضاع الاقتصاد العالمي وخاصة في الصين قاطرته الجديدة. إذ تقول أوبك في تقريرها لـ يناير/كانون الثاني الجاري إن نمو الطلب في الصين عام2015 كان بحدود 0.37 مليون برميل يوميا، بينما يقول بنك باركليز إنه كان 0.5 مليون برميل. ولا يتوقع كلاهما أن يتجاوز نمو الطلب 0.3 مليون برميل يوميا عام 2016.

ويخشى بعض المحللين من انخفاض سعر العملة الصينية (اليوان) مقابل الدولار وأوضاع البورصة في شنغهاي وكلها عوامل غير مشجعة، إذ انخفض مؤشر البورصة 40% منذ يونيو/حزيران الماضي. ويعتقد هؤلاء أن ذلك قد ينسحب على الطلب على النفط في الصين خاصة وأن الطلب في الأشهر الأخيرة من 2015 كان متواضعا وسجل انخفاضا في نوفمبر/تشرين الثاني.

معركة النفط الصخري
أما المعركة الدائرة مع النفط الصخري في الولايات المتحدة فإنها لم تأت أكلها حتى الآن، على الرغم من الهبوط الذي شهده إنتاجه في الأشهر الأخيرة.

لقد أثبت منتجو هذا النفط قدرتهم على خفض الكلف وزيادة كفاءة الاستخراج وإقناع المصارف الممولة بدعمهم للاستمرار بالإنتاج.

وتعتزم شركة بايونير للموارد الطبيعية جمع 1.4 مليار دولار باكتتاب جديد لتمويل عملياتها في تكساس حيث مازالت عملياتها مربحة هناك رغم انخفاض الأسعار على عكس منتجين في أماكن أخرى من الولايات المتحدة.

إن السوق النفطية تعاني الكثير من عدم اليقين في عدد من القضايا المهمة

وتقول إدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية إن إنتاج الولايات المتحدة بلغ ذروته في أبريل/نيسان 2015 بإنتاج 9.7 ملايين برميل يوميا. وقد انخفض إلى 9.3 ملايين برميل بنهاية العام الماضي. ويتوقع أن يكون معدله 8.8 ملايين برميل عام 2016.

ولذلك فإن الإنتاج من خارج أوبك يتوقع أن ينخفض عام 2016 بين 0.4 و 0.6 مليون برميل يوميا -طبقا لأوبك- بعد أن كان معدل نموه مليون برميل يوميا عام 2015.

إن السوق النفطية تعاني الكثير من عدم اليقين في عدد من القضايا المهمة.

فهل هناك أمل في زيادة النمو الاقتصادي، وخاصة في الصين، حيث يتوقع أن تحقق نموا بنسبة  6.4% مقارنة بـ 6.8% العام الماضي، بانخفاض كبير عن معدلات النمو التي كانت سائدة باستمرار قبل سنوات؟

ثم ماذا عن احتمالات زيادة الإنتاج بحد أعلى مما هو متوقع حاليا؟

فنحن نعلم أن هناك زيادة متوقعة في إنتاج العراق ولو بحد أقل مما كان عام 2015 بسبب الضائقة المالية التي يمر بها البلد.

كما أن زيادة إنتاج إيران قد أصبحت أمرا جديا بعد أن أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم 16 يناير/كانون الثاني الجاري أن طهران نفذت متطلبات الاتفاق النووي وأحالت الموضوع إلى مجلس الأمن لرفع العقوبات الأممية.

وما هو أثر ذلك على نمو إنتاج إيران، وكيف ستتصرف إيران تجاه أربعين مليون برميل مخزونة في ناقلاتها البحرية، وما هي سرعة بيعها ودخولها للسوق؟

ثم، هل سيستمر ارتفاع الدولار تجاه العملات الأخرى ليجعل النفط أكثر كلفة على جميع مستورديه باستثناء الولايات المتحدة؟ وكيف سيأثر الارتفاع المتوقع لسعر الفائدة في الولايات المتحدة على النمو الاقتصادي والاستثمار في السلع؟  

توقعات بعيدا عن التفاؤل
كل هذه الأمور وغيرها جعلت توقعات المصارف والمحللين تتجه إلى الاعتقاد بأن دورة هبوط أسعار النفط ستطول, وأن عشرين دولارا للبرميل ليس بالأمر البعيد كما ورد في استطلاع حديث لصحيفة نيويورك تايمز.

يُذكر أن بنك غولدمان ساكس أشار إلى هذا الاحتمال العام الماضي، عندما كان سعر النفط 45 دولارا للبرميل, وأضاف أن مستوى عشرين دولارا للبرميل قد يقنع أخيرا منتجي النفط الصخري بخفض إنتاجهم.

ولقد تعززت هذه التوقعات في الأيام الأخيرة. فقد توقع مصرف ستاندارد تشارترد أن تنخفض أسعار النفط إلى عشرة دولارات للبرميل،  وتبعه بنك أوف سكوتلاند الذي خفض توقعاته من 16 إلى عشرة دولارات للبرميل.

وربما تكون هذه التوقعات متطرفة لكنها تبقى ممكنة في ظل الإنتاج الحالي واحتمال زيادته وتواضع النمو في الطلب على النفط.

كانت سياسة خاطئة السماح لأسعار النفط بالوصول إلى أكثر من 140 دولارا للبرميل, وسيكون خطأ كبيرا القبول بهذه الأسعار المتدنية في سبيل الحصول على حصة أكبر في سوق متقلبة

وحده رئيس شركة شل بن فان بيردن كان متفائلا إذ قال لصحيفة صنداي تايمز حديثا إنه لا يرى أن هذه الأسعار يمكن أن تستمر وأن الأمور ستتحسن في السنوات القادمة، دون أن يشير إلى عدد السنوات.

إن سوق النفط الحالية تذكرنا بالأيام العصيبة عقب انهيار الأسعار عامي 1986 و1998، وكيف أدى ذلك إلى صعوبات جمة للمنتجين وشركات النفط.

فها هي الدول المنتجة تحاول فرض ضرائب جديدة وترفع أسعار المنتجات النفطية والكهرباء، وتقوم بغير ذلك من إجراءات تقشفية لتقليل العجز في ميزانيتها. وها هي شركات النفط الكبرى تضغط لتقليل الاستثمارات في مشاريع كبيرة ومهمة وتقوم بتسريح موظفيها بالآلاف في محاولة للحد من خسائرها ووقف تدهور أسعار أسهمها.

كل ذلك سيؤدي خلال سنوات قليلة إلى انخفاض إنتاج النفط في كثير من المناطق، وإلى دورة جديدة من ارتفاع الأسعار.

وأخيرا نقول إن حصة أوبك (نفط خام ومكثفات) في سوق النفط على أهميتها ليست كل شيء، وإن تحسنها من 39% في نهاية 2013 إلى ما يقرب من 40% في الوقت الحالي قد كلف وسيكلف المليارات، ولابد من إعادة النظر بشكل يضمن المواءمة بين الأسعار وحصة السوق.

لقد كانت سياسة خاطئة تلك التي سمحت لأسعار النفط بالوصول إلى أكثر من 140 دولارا للبرميل حيث شجعت منافسي أوبك للاستثمار في مشاريع مكلفة لم تكن في البال، وحفزت الدول لتشجيع مصادر الطاقة البديلة.

في نفس السياق سيكون خطأ كبيرا القبول بهذه الأسعار المتدنية في سبيل الحصول على حصة أكبر في سوق متقلبة لا يأتمنها أحد.
ــــــــــــــ
خبير نفط عراقي

المصدر : الجزيرة