مع استمرار أسعار النفط في تلقي مزيد من الصدمات بفعل تخمة المعروض وتراجع الطلب خاصة من الصين، فإن كلفة إنتاج الذهب الأسود -كما يصفه الكثيرون- ستتفوق عند بعض الدول على سعر البيع بالأسواق، مما سيوسع من رقعة الخاسرين.

محمد أفزاز

ينذر انخفاض أسعار النفط إلى مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق العالمية منذ أكثر من عقد وتوقعات استمراره بتأثيرات سلبية على العديد من المنتجين إلى الحد الذي قد يدفع بعضهم لوقف التصدير نحو الخارج إذا صارت كلفة الإنتاج لديهم أعلى من سعر البيع، بينما ستظل أخرى ماضية في رحلة الصمود لمدة أطول.

وأمام هذا الوضع بدأت بعض الدول من داخل منظمة أوبك، التي تنتج نحو ثلث احتياجات العالم من النفط، بالمناورة لأجل الضغط على المنتجين الكبار لعقد اجتماع طارئ لمناقشة إمكانية تعديل إستراتيجية المنظمة القائمة حتى الآن على إبقاء سقف الإنتاج دون تغيير حفاظا على حصتها السوقية ومحاولة منها لإخراج المنتجين غير التقليديين للنفط والغاز الصخريين الأعلى كلفة من حلبة الصراع.

وهبطت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت الثلاثاء صوب 30.43 دولارا للبرميل عند أدنى مستوياتها في نحو 12 عاما على خلفية المخاوف من تخمة المعروض في مقابل انخفاض الطلب خاصة من الصين التي تعد ثاني أكبر مستهلك للنفط بالعالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، لكن الأسعار ما لبثت أن استعادت أنفاسها ولو بقليل لتستقر عند 31.75 دولارا.

وفقدت أسعار النفط قرابة 15% منذ مطلع العام الحالي، ونحو 70% منذ منتصف 2014، بينما تشير عدد من التكهنات إلى أن الخام قد يتلقى صدمات أخرى تتجه به إلى مستويات قريبا من العشرين دولارا.

خطر التوقف
وإذا صدقت تكهنات مورجان ستانلي، على سبيل المثال، وهو الذي حذر من تهاوي الأسعار ما بين 20 و25 دولارا للبرميل، وفق ما ذكرته رويترز، فإن عددا من الدول خاصة الأعضاء داخل منظمة أوبك ستصبح خارج نادي المصدرين لارتفاع تكلفة الإنتاج قياسا إلى ما قد تجنيه عند التصدير، بينما تكون دول أخرى قد خرجت فعليا.

وتشير بعض الأرقام التي أوردتها شركة ريستد أنرجي النرويجية للاستشارات إلى أن سعر تكلفة إنتاج النفط لعدد من الدول في مقدمتها كندا سادس منتج عالمي يبلغ 41 دولارا، والبرازيل تاسع المنتجين 48.8 دولارا، والنرويج 36.10 دولارا، وبريطانيا 52.5 دولارا، وأنغولا 35.4 دولارا، وهو ما يعني أن إنتاج وتصدير النفط عند هذه الدول قد أصبح غير ذي جدوى، في ظل انهيار الأسعار إلى ما يقرب من 30 دولارا.

وتلفت الإحصائيات نفسها إلى أن سعر تكلفة إنتاج النفط في نيجيريا يناهز 31.6 دولارا للبرميل، وهو ما يبرر التصريحات التي أدلى بها وزير الدولة النيجيري للموارد البترولية إيمانويل إيبي كاشيكو الثلاثاء والتي توقع فيها عقد اجتماع طارئ لمنظمة أوبك مطلع مارس/آذار المقبل، أي قبل ثلاثة أشهر من الاجتماع العادي للمنظمة لمناقشة تدهور أسعار النفط، قبل أن يشكك مندوبون غير خليجيين بأوبك في عقد أي اجتماع طارئ -وفق ما أفادت رويترز- وقبل أن يقول وزير الطاقة الإماراتي سهيل بن محمد المزروعي إن الإستراتيجية الحالية لأوبك ناجعة لكنها تحتاج وقتا لكي تؤتي ثمارها.

منظمة أوبك تصف إستراتيجيتها إزاء حفاظها على سقف الإنتاج بالناجعة (رويترز)

تصريحات المسؤول النيجري يعتقد بعض المراقبين أنها دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع من جديد لتبتعد بذلك نيجيريا ولو مؤقتا عن دائرة الخطر، وهي الدولة التي تشكل عائدات النفط 90% من إيراداتها من التصدير و70% من موازنة البلاد، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

هاوية الإنتاج
وبالاستناد إلى معطيات شركة ريستد أنرجي النرويجية دائما، فإن دولا أخرى تكاد تكون قريبة من "هاوية الإنتاج"، إن صح التعبير، ومن بينها الصين التي تبلغ تكلفة الإنتاج لديها 29.9 دولارا والمكسيك 29.10 دولارا وليبيا 23.5 دولارا، والجزائر 20.40 دولارا، بينما تظل روسيا (17.20 دولارا) وإيران (12.30 دولارا) والإمارات (12.3 دولارا) ثم العراق (10.7 دولارات) أكثر أمنا إذا لم تكسر أسعار النفط حاجز العشرة دولارات كما تشير بعض التوقعات الأكثر تشاؤما، في حين تبقى السعودية (9.9 دولارات) والكويت (8.5 دولارات) على التوالي الدول التي ستحمل راية الصمود إلى أبعد الحدود.

وفي هذا الصد يقول المحلل النفطي محمد يعقوب للجزيرة نت إن دولا عديدة منتجة للنفط من خارج منظمة أوبك ما زالت حتى الآن ترفض المفاوضات لدعم الأسعار بالأسواق، لكنها لن تصمد طويلا -برأيه- خاصة في ظل توقعات جد متشائمة تتحدث عن أسعار ما بين 20 و25 دولارا.

ويعتقد يعقوب أن روسيا كثاني أكبر منتج وأول مصدر للنفط من خارج منظمة أوبك ستضطر في وقت من الأوقات إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض مع المنظمة إذا شعرت بأن أسعار النفط قد اقتربت من مستويات لا يمكنها تحملها.

وأوضح أن أطرافا عديدة عبر العالم تتحرك بوتيرة أسرع لمنع انهيار أسعار النفط لكون ذلك سيؤثر بشكل قوي على الاقتصاد العالمي برمته، معتبرا أن دول الخليج قادرة على مواصلة رحلة الصمود لمدة قد تتراوح ما بين سنتين وثلاث سنوات بالنظر إلى توفرها على احتياطات مالية قوية وانخفاض تكلفة إنتاج النفط لديها والتي تعد الأدنى في العالم.

المصدر : وكالات,الجزيرة,مواقع إلكترونية