صباح نعوش

الضريبة النوعية
الضريبة على القيمة المضافة
ضريبة الكربون

انخفضت أسعار النفط الخام في السوق العالمية بسبب تزايد العرض الناجم عن عوامل اقتصادية وسياسية ترتبط بمنطقة الخليج وروسيا والإنتاج الأميركي. لكن هذا الانخفاض يعود أيضا إلى تباطؤ الطلب نتيجة الأزمة الاقتصادية والاعتبارات البيئية، إضافة إلى ارتفاع العبء الضريبي المفروض على استهلاك المنتجات النفطية.

ففي الاتحاد الأوروبي انتقل المعدل العام لسعر لتر البنزين من 1.5 يورو (1.8 دولار) مطلع العام 2014 إلى 1.3 يورو (1.4 دولار) مطلع العام الجاري، في حين انتقل سعر خامات برنت للفترة نفسها من 107.7 دولارات (86.2 يورو) إلى 33.4 دولارا (30.3 يورو) للبرميل. وهكذا لم يقد انهيار سعر الخام إلى هبوط مهم لسعر الاستهلاك النهائي لسبب واحد فقط هو ارتفاع الضرائب المفروضة على المنتجات النفطية، فقد أصبح المستهلك الأوروبي يدفع ضرائب قدرها أربعة أضعاف ما يدفعه لشراء النفط من الدول المصدرة.

وبعملية حسابية بسيطة نستنتج أن حصة البلدان النفطية من سعر الاستهلاك النهائي في أوروبا بلغت حاليا 0.19 يورو للتر، بعدما كانت 0.53 يورو قبل عامين.. لقد هبطت حصتها بشدة رغم تراجع القيمة التعادلية لليورو مقابل الدولار.

لا يوجد في الاتحاد الأوروبي نظام ضريبي موحد يسري على استهلاك المنتجات النفطية، فكل بلد يتبنى النظام المناسب له. ولكن في جميع دول أوروبا يخضع استهلاك المنتجات النفطية للضريبة النوعية والضريبة على القيمة المضافة. وتوجد في غالبية دول الاتحاد ضريبة ثالثة على الكربون.

الضريبة النوعية
تفرض الضريبة النوعية بمبلغ معين يختلف حسب المنتجات النفطية وحسب سياسة الطاقة المتبعة. وتسري على وقود السيارات بشتى أنواعه ضريبة أشد من تلك التي تفرض على الوقود المنزلي المخصص للتدفئة. ففي ألمانيا مثلا تبلغ الضريبة على البنزين 0.69 يورو للتر، بينما ينخفض المبلغ إلى 0.11 يورو في الوقود المنزلي.

تعد الضريبة النوعية أهم ضريبة على المنتجات النفطية حيث تتراوح بين 70 و80% من مجموع الضرائب المفروضة على الاستهلاك النفطي، وبالتالي باتت الميزانيات العامة تعتمد عليها اعتمادا أساسيا في تمويل نفقاتها

وفي غالبية الدول الأوروبية يخضع البنزين لضريبة نوعية تفوق تلك التي تفرض على زيت الغاز (الديزل). ففي إيطاليا تبلغ الضريبة على البنزين 0.79 يورو للتر، والضريبة على زيت الغاز 0.68 يورو، بينما تتبع بريطانيا سياسة مختلفة لأنها تفرض ضريبة نوعية على زيت الغاز أشد من الضريبة النوعية على البنزين.

أدى هذا الاختلاف الضريبي إلى تباين كبير في أسعار الاستهلاك، ففي إيطاليا يبلغ سعر البنزين 1.45 يورو وهو الأعلى في أوروبا، بينما يهبط سعره إلى 0.98 يورو في بولندا وهو الأرخص. ولهذا السبب أيضا، يرتفع سعر زيت الغاز في بريطانيا وهو الأعلى في أوروبا، وينخفض في لوكسمبورغ وهو الأدنى.

وتعد الضريبة النوعية أهم ضريبة على المنتجات النفطية، حيث تتراوح بين 70 و80% من مجموع الضرائب المفروضة على الاستهلاك النفطي، وبالتالي باتت الميزانيات العامة تعتمد عليها اعتمادا أساسيا في تمويل نفقاتها. ففي الميزانية الفرنسية للعام الجاري قدرت حصيلة الضريبة النوعية بمبلغ 15.6 مليار يورو، أي 6.6% من الإيرادات الكلية للدولة. ويغطي هذا المبلغ نحو نصف اعتمادات وزارة الدفاع.

وتتجه الضريبة النوعية في جميع الدول الأوروبية نحو الارتفاع بسبب العجز المالي المزمن، وهي لا تفرض على سعر النفط الخام، بل يحدد لها مبلغ سنوي عند تحضير ميزانية الدولة، فلا توجد علاقة بين هذه الضريبة وسعر الخام.

ولا بد من الإشارة إلى أن بعض الدول الأوروبية طبقت التعويم الضريبي على استهلاك المنتجات النفطية، لكنها سرعان ما تخلت عنه بعد فترة وجيزة. ويتجلى هذا النظام في رفع مبلغ الضريبة النوعية عندما يهبط سعر النفط الخام، وبالعكس ينخفض مبلغها عندما يرتفع سعر الخام. تهدف هذه الآلية إذن إلى تحقيق نوع من الاستقرار في أسعار الاستهلاك النهائي، كما أنها توازن بين مصالح المستهلكين ومصالح مالية الدولة، فقد تفقد ميزانية الدولة قسطا من الإيرادات في السنة التي يرتفع فيها سعر الخام، لكنها تحصل على إيرادات أكبر في السنة التي ينخفض فيها سعره.

كان هذا النظام منسجما تماما مع فترة تسعينيات القرن المنصرم حيث كانت أسعار الخام ترتفع في سنة وتهبط في أخرى، لذلك قررت بعض الدول تعويم الضريبة النوعية مثل فرنسا عام 2000، ولكن تبين أن هذا النظام لم يعد يخدم مالية الدولة لأن أسعار النفط باتت ترتفع باستمرار، الأمر الذي يتطلب تخفيض مبلغ الضريبة فاختل ذلك التوازن، لذلك استغنت عنه فرنسا بعد تطبيقه لفترة تقل عن عشرين شهرا.

الضريبة على القيمة المضافة
على خلاف الضريبة النوعية، تفرض الضريبة على القيمة المضافة بسعر نسبي موحد على جميع المنتجات النفطية، كما تتسم أسعارها بالتقارب في جميع البلدان الأوروبية، وذلك نتيجة الجهود المبذولة منذ عشرات السنين في سبيل تنسيق السياسات المالية. ففي بلجيكا وإسبانيا وهولندا تفرض هذه الضريبة على استهلاك المنتجات النفطية بسعر 21%. وفي فرنسا وبريطانيا وبلغاريا بسعر 20%.

لا بد من إبداء ملاحظتين: الأولى أن أسعار هذه الضريبة المفروضة على المنتجات النفطية هي أعلى الأسعار المطبقة على القيم المضافة، فهي تعامل النفط معاملة السلع المضرة بالصحة كالكحول والسجائر، والسلع الكمالية كالمجوهرات والعطور.

والملاحظة الثانية أن اسم هذه الضريبة لا يتسق مع المسمى، لأنها لا تسري فقط على القيمة المضافة (أسعار النفط الخام وأثمان النقل والتكرير والتوزيع)، بل كذلك على مبلغ الضريبة النوعية ومبلغ ضريبة الكربون. وهذا يتناقض مع قواعد العدالة الضريبية التي تستوجب عدم فرض ضريبة على الضريبة، كما يفسر ذلك ارتفاع مبالغها باطراد رغم ثبات أسعارها النسبية.

ضريبة الكربون
من الناحية النظرية تهدف هذه الضريبة إلى حث الأفراد والشركات على الحد من استهلاك الوقود الأحفوري عن طريق وقف الإسراف، وتطوير التقنية وتنمية الطاقة المتجددة، أي أنها تسعى إلى خلق عادات استهلاكية جديدة.

لا تختلف ضريبة الكربون عن الضريبة النوعية من حيث تأثيرها على أسعار الاستهلاك النهائي، لكن الفرق بينهما يكاد ينحصر في العامل السياسي، فتحت تأثير التلوث والاحتباس الحراري وأجهزة الإعلام تجد ضرائب الكربون تأييدا شعبيا لها

وفي دول أوروبية تُرصد حصيلة ضريبة الكربون لأوجه إنفاق محددة سلفا، ففي السويد تخصص إيرادات ضريبة الكربون للتخفيف من ثقل الضرائب على المرتبات وعلى الشركات التي تعاني من المنافسة الأجنبية. وفي فنلندا يرصد قسط منها لتنمية الطاقة المتجددة. وتعتبر سويسرا رائدة في هذا الميدان، حيث يتم توزيع ثلثي حصيلة ضريبة الكربون على الأفراد والشركات ويستخدم قسطها الثالث كإعانات تمنح للأشخاص الذين يرغبون في تحديث أبنيتهم لتنسجم مع معايير الحد من هدر الطاقة.

والواقع أن ضريبة الكربون في جميع الدول الأوروبية الكبرى وسيلة لزيادة إيراداتها العامة، فلو كان الهدف الحقيقي خلق عادات جديدة لتخلت عنها الدولة حال اكتساب هذه العادات. فبفعل الاستهلاك اليومي للمنتجات النفطية تتولد عادات جديدة خلال فترة وجيزة قد لا تتجاوز سنة واحدة، لكن هذه الضريبة مطبقة في دول أوروبية منذ نحو عشر سنوات، ورغم تولد العادات الجديدة ترتفع أسعارها سنويا. ففي فرنسا أصبح سعر الضريبة على طن الكربون 22 يورو منذ مطلع العام الجاري، بعد أن كان 14.5 يورو في العام المنصرم. وسيصل سعرها إلى 56 يورو عام 2022 ثم إلى مئة يورو عام 2030.

لا تختلف ضريبة الكربون عن الضريبة النوعية من حيث تأثيرها على أسعار الاستهلاك النهائي، لكن الفرق بينهما يكاد ينحصر في العامل السياسي، فتحت تأثير التلوث والاحتباس الحراري وأجهزة الإعلام تجد ضرائب الكربون تأييدا شعبيا لها أو على الأقل تفهما لدى المواطنين (الناخبين)، في حين تواجه الضريبة النوعية تذمرا شعبيا، خاصة إذا حاولت الحكومة زيادة مبلغها. لذلك يفضل الساسة الأوروبيون رفع أسعار ضريبة الكربون بدلا من زيادة مبالغ الضريبة النوعية.

وفي ضوء أن الضرائب على المنتجات النفطية وسيلة لتحقيق مزيد من الإيرادات، يمثل هبوط أسعار الخام في السوق العالمية فرصة ذهبية أمام الحكومات الأوروبية لزيادة الضغط الضريبي تحت ذرائع عديدة، في مقدمتها المحافظة على سلامة البيئة.
______________
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة