تمويل عجز الموازنة في الفكر الإسلامي
آخر تحديث: 2015/9/9 الساعة 15:02 (مكة المكرمة) الموافق 1436/11/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/9/9 الساعة 15:02 (مكة المكرمة) الموافق 1436/11/26 هـ

تمويل عجز الموازنة في الفكر الإسلامي

عبد الحافظ الصاوي

ظاهرة عجز الموازنة من المشكلات التي تعرفها معظم اقتصادات دول العالم، المتقدمة منها والنامية على السواء، باستثناء عدد قليل.

والدول الإسلامية بشكل عام تعاني من مشكلة عجز الموازنة، خاصة أن غالبيتها من الدول النامية، بل والأقل نموا.

عجز الموازنة عرض لمرض
سمات الموازنة بالفكر الإسلامي

سداد عجز الموازنة في الفكر الإسلامي
الضرائب استثناء وليست أصلا
 

عجز الموازنة عرض لمرض
وقد تتمتع بعض الدول الإسلامية في بعض السنوات بوجود فائض بموازناتها، لكن هذا الأمر يخص الدول النفطية فقط، ولا يدوم الفائض إلا في أوقات الطفرات النفطية.

و مشكلة عجز الموازنة عرض لمرض في الدول الإسلامية، بسبب هشاشة ناتجها المحلي، وسوء تخصيص مواردها الاقتصادية، وزيادة اعتمادها على الخارج بشكل كبير، فضلا عن غياب الشفافية والمساءلة من قبل برلمانات الدول الإسلامية لحكوماتها.

ويترتب على استمرار مشكلة عجز الموازنة حاليا في دولنا الإسلامية، حرمان أفراد المجتمع من الحصول على الخدمات بشكل لائق، فضلا عن استمرار أزمة المديونية الناتجة عن هذا العجز، وتحميل الأجيال القادمة بتبعات سداد هذه الديون، وعدم تمكينهم من التمتع بمواردهم الاقتصادية خلال فترات حياتهم بشكل يتسم بالعدالة.

ومما يؤسف له أن غالبية الدول الإسلامية لا تتمتع بترتيب متقدم على مؤشر الاستبيان العالمي للموازنة، والذي تعلن نتائجه كل عامين، كما أن حالة التردي السياسي بالدول الإسلامية، وغياب وجود برلمانات حقيقية، يحرم الأفراد من المشاركة في إعداد هذه الموازنات، وبالتالي لا تعبر عن احتياجاتهم الحقيقية.

إن مشكلة عجز الموازنة عرض لمرض في الدول الإسلامية، بسبب هشاشة ناتجها المحلي، وسوء تخصيص مواردها الاقتصادية، وزيادة اعتمادها على الخارج بشكل كبير، فضلاا عن غياب الشفافية والمساءلة من قبل برلمانات الدول الإسلامية لحكوماتها

وبشكل عام، فإن موازنات الدول الإسلامية تقوم على سياسات مالية تتحيز لصالح الأغنياء من خلال سوء تخصيص الموارد، وتكرس لعدم عدالة توزيع الثروة، بسبب النظم الضريبية غير العادلة، فضلا عن الفساد المالي والإداري الذي يتسم به النظام الضريبي في الدول الإسلامية، حيث يتهرب الأغنياء من دفع الضرائب المباشرة، فلا يكون أمام الحكومات إلا التوسع في فرض الضرائب غير المباشرة، والتي يظلم فيها الفقير، حيث يتساوى في تحمل العبء الضريبي مع الغني، سواء بسواء.

سمات الموازنة بالفكر الإسلامي
في الإطار الفكري النظري يقتصر دور الدولة الاقتصادي للدولة الإسلامية، في الوظائف الكلاسيكية، من تحقيق (الدفاع الخارجي، والأمن الداخلي، والعدالة، والتمثيل الخارجي)، ويترك للقطاع الخاص القيام بغالبية النشاط الاقتصادي.

وتتدخل الدولة على سبيل الاستثناء في النشاط اقتصادي في حالة تخلي القطاع الخاص عن ممارسة أعمال معينة، أو في حالة أن يكون هذا النشاط يخص الأمن القومي، أو يكون من السلع الضرورية والاجتماعية، التي ينصرف عنها القطاع الخاص، لعدم وجود هامش ربح يحفز على الدخول فيه.

ويُترك للمجتمع الأهلي (المدني) المشاركة في النشاط الاقتصادي من خلال آليتي الزكاة والوقف، من خلال مؤسسات عامة، تشرف عليها الدولة، فتغطي قطاعا كبيرا من الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.

وهذا العرض النظري التجريدي قد لا يتحقق على أرض الواقع، فالدولة الحديثة أصبح لها متطلبات كثيرة، وحتى النظم الرأسمالية البحتة تخلت عن تصورها بدور الدولة الاقتصادي المحدود، والمسمى بـ"الدولة الحارسة"، منذ أزمة الكساد الكبير 1929. ولذلك المجتمعات الإسلامية بحاجة لتعاملات اقتصادية ترتبط بالواقع ومتطلبات الواقع المعيش.

وثمة فارق بين سمات الموازنة العامة في الفكر التقليدي والفكر الإسلامي.

ففي الفكر التقليدي من غير المقبول أن يتم تخصيص إيراد معين لنفقة معينة، ويسمى هذا بمبدأ "عمومية الإيرادات"، ولكن الموازنة في الفكر الإسلامي يرد فيها تخصيص موارد محددة لنفقات محددة بنصوص قرآنية، ونصوص من السنة المطهرة، وهو ما يتضح في الزكاة بشكل دقيق، وكذلك في إيرادات الكفارات وغيرها من الموارد.

ولذلك يرى المتخصصون في الاقتصاد الإسلامي أن مبدأ تخصيص الإيرادات في الدولة الإسلامية يؤدي إلى تعدد الموازنات الفرعية تحت الموازنة العامة للدولة، حيث تتعدد الموازنات، مثل موازنة الرعاية الاجتماعية تخصص لها إيرادات الزكاة وخمس الغنائم. أما بقية الموارد فتوجه لسد احتياجات الدولة من نفقات تخص أعمال إدارتها، وما تقوم به من إنتاج سلع وخدمات. وإذا كان هناك فائض وجه إلى موازنة الاستقرار.

سداد عجز الموازنة في الفكر الإسلامي
في الفكر التقليدي عادة تلجأ الدول لسد العجز عن طريق المديونية، أو طباعة النقود، أو فرض ضرائب أكثر على المواطنين، أو تضغط النفقات لتقليل الفجوة بينها وبين الإيرادات، وكلها أدوات تحقق آثارا سلبية على الأداء الاقتصادي.

ويذهب علماء الاقتصاد الإسلامي إلى القول بأن الأصل في الموازنة العامة بالدولة الإسلامية أنها تتحاشى الوقوع في فخ العجز,  بحيث يتم الوقوف أولا على حجم الإيرادات، ثم تحدد النفقات في حدود هذه الإيرادات. ولكن ماذا لو تعرضت الدولة لما يجبرها على تحقيق عجز بموازنتها؟

على ولي الأمر أن يقوم بمجموعة من الخطوات، هي:

-دعوة الأغنياء والقادرين إلى التبرع لسد العجز بين النفقات والإيرادات.

-اللجوء للقرض الحسن من المواطنين بشرط توفر القدرة على السداد.

يذهب علماء الاقتصاد الإسلامي إلى القول بأن الأصل في الموازنة العامة بالدولة الإسلامية أنها تتحاشى الوقوع في فخ العجز, بحيث يتم الوقوف أولا على حجم الإيرادات، ثم تحدد النفقات في حدود هذه الإيرادات

- حق ولي الأمر في التوظيف في أموال الأغنياء (أي فرض الضرائب)، ولكن هذا الحق مقيد بعدة شروط، منها أن تكون هناك حاجة اجتماعية نظرا لعدم كفاية الزكاة بسبب القحط أو وجود نوازل. أن تكون هناك حاجة عسكرية لدفع العدو. أو وجود حاجة اقتصادية دعا إليها فرض كفاية، لتدخل الدولة في مشروعات عامة تمليها المصلحة العامة، وقد عجز عن الوفاء بها الأفراد.   

ومن هنا نجد أن ترتيب هذه الآليات يعكس حالة من الثقة بين ولي الأمر والمجتمع، فأغنياء المجتمع مدعوون طواعية للتبرع لسداد العجز، وفي نفس الوقت يفرض قيد على الحكومات إن عجزت التبرعات عن سداد العجز، فلا تقترض إلا ولديها برنامج لسداد ما اقترضت، وهنا دور البرلمان وباقي المؤسسات الرقابية بالدولة حتى لا تتحول مشكلة العجز إلى قضية بلا مسؤول ولا محاسبة، أو أن تستفحل بحيث يستعصي حلها كما هو واقع مجتمعاتنا الإسلامية الآن.

الضرائب استثناء وليست أصلا
قد لا يجد ولي الأمر أمامه إلا فرض الضرائب، وثمة خلاف في مسألة فرض الضرائب، ولكنه خلاف يحسمه من توفر له علم عن النص وعلم عن الواقع، إلا أن المجمع عليه أن الضرائب لا تفرض إلا لضرورة.

ومما يستدل به على جواز استخدام آلية الضرائب لسد عجز الموازنة، ما جاء عن الموصلي أن "الأنهار العظام كجيحون وسيمون والنيل والفرات ودجلة أنهار عامة لجميع الخلق حق الانتفاع بها، سواء كان حق الشرب أو سقي الأراضي، أو شق الأنهار إن لم يكن فيه ضرر عام، ولأنها عامة لجميع الخلق، فإن كريها يقع على بيت المال، فإن لم يكن في بيت المال شيء، أجبر الناس على كريه، إحياء لحق العامة، ودفعًا للضرر عنهم"، وقول الشاطبي "إنا إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال".

وقد فند الشيخ القرضاوي حجج المعترضين على فرض الضرائب، وذكر أن حديث فاطمة بنت قيس "ليس في المال حق سوى الزكاة"، في رواية ابن ماجه بأنه ضعيف، ومن جهة أخرى هناك العديد من الأحاديث التي تدعو إلى الإنفاق والصدقة في غير باب الزكاة. وأشار القرضاوي إلى أن  أكثر الأحاديث الواردة في ذم المكس "فرض الضرائب" لم تثبت صحتها، كما أن احترام الإسلام للملكية الخاصة لا يسقط حق الفقراء والمجتمع في مال الأغنياء، إذا نزلت بهم الحاجة.
_________________________
كاتب صحفي مصري

 

المصدر : الجزيرة

التعليقات