جونغ وا لي

نمو الصين وميزة الوافد المتأخر
دور الحكومة في الاقتصاد الصيني
إصلاحات المؤسسات المملوكة للدولة
خطورة الاعتماد على حوافز قصيرة الأمد

يعشق الخبراء مناقشة آفاق نمو الاقتصاد الصيني، والغَلَبة في أيامنا هذه للمتشائمين منهم. لكن كثيرين يبنون توقعاتهم على تجارب اقتصادات أخرى، في وقت كسرت فيه بكين نمط النمو الاقتصادي السائد لديها طيلة العقود الثلاثة الماضية. فهل تكون آفاق الصين الاقتصادية إذن بهذا القدر من السوء الذي يوحي به الرأي السائد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تحسين الوضع؟

من المؤكد أن وضع الصين خطير، ففي العام الماضي بلغ نمو الاقتصاد الصيني 7.4%، وهو الأدنى منذ العام 1990، ومن غير المرجح أن تتمكن بكين من تحقيق نسبة النمو التي تستهدفها البالغة 7% في العام الجاري، ووفقا لصندوق النقد الدولي ربما ينمو اقتصاد الصين بنسبة 6.3% فقط في العام المقبل، ومن الواضح أن ضعف النشاط المحلي وتراجع الطلب الخارجي من العوامل المؤثرة بشدة في هذا الصدد.

وتفقد الصين أيضا زخم النمو على المدى الطويل، إذ تسبب انخفاض معدلات الخصوبة والعائدات على الاستثمار في إضعاف توسع القوة العاملة وتراكم رأس المال. وقد أصبح من الصعب على نحو متزايد أن تستفيد الصين من مكاسب الإنتاجية المعتمدة على التكنولوجيا.

وقد دفعت كل هذه التحديات وزير الخزانة الأميركي السابق لورانس سامرز وزميله لانت بريتشيت في جامعة هارفارد إلى القول إن النمو في الصين قد يتباطأ إلى 4% أو حتى 2% في العقدين المقبلين، مع خضوع البلاد لنمط النمو السائد تاريخيا، الذي تشير إليه ضمنا عبارة "التراجع إلى الوسط".

تفقد الصين زخم النمو على الأمد الطويل إذ تسبب انخفاض معدلات الخصوبة والعائدات على الاستثمار في إضعاف توسع القوة العاملة وتراكم رأس المال. وقد أصبح من الصعب على نحو متزايد أن تستفيد الصين من مكاسب الإنتاجية المعتمدة على التكنولوجيا

بما أن نمط النمو في ثاني أكبر اقتصادات العالم كان حتى الآن استثنائيا من غير المحتمل أن تبدأ الصين فجأة في سلوك المسار المشترك للنمو.

ميزة الوافد المتأخر
ولم يكن رأي جوستين لين كبير خبراء الاقتصاد السابق في البنك الدولي مجانبا للصواب، إذ قال إنه من الممكن أن تحقق الصين نموا سنويا بنسبة 8% لعقدين آخرين، وذلك نظرا لميزة "الوافد المتأخر" الدائمة، التي تستلزم ضمن أمور أخرى تحقيق مكاسب إنتاجية سريعة بفعل لحاق بكين تكنولوجيا بالولايات المتحدة.

ولكن هذا الأمر لا يقدم تفسيرا لنظرية النمو القياسية المتمثلة في "التقارب المشروط"، فالاقتصادات التي تتمتع بخصائص بنيوية متشابهة مثل مهارات العمالة وجودة المؤسسات هي فقط التي تكون في مستويات متقاربة من حيث الدخل الفردي.

ولهذه الأسباب أتبنى وجهة نظر معتدلة، فأتوقع أن يهبط متوسط النمو الصيني المحتمل إلى 5% أو 6% بحلول العام 2030. ويستند هذا التوقع إلى إطار التقارب المشروط الذي يعتمد على بيانات متولدة عن تجربة النمو الفريدة في الصين، فضلا عن تجارب اقتصادات أخرى على مدى العقود الثلاثة الماضية.

وعلى النقيض من رأي لين، أعتقد أن التباطؤ الحتمي في الصين آت عما قريب، ولكن خلافا لسامرز لا أرى أنه لا بد أن يكون فادحا. والمفتاح لتحقيق هذا السيناريو هو أن ينقل القادة الصينيون اقتصادهم إلى مسار نمو أكثر توازنا واستدامة، بحيث يستند إلى توقعات واقعية، إذ لا يمكنهم إساءة تدبير تحديات غير قابلة للتجنب، كتلك النابعة من ضعف المؤسسات المحلية وعدم اليقين السياسي والصدمات الخارجية.

دور الحكومة في الاقتصاد الصيني
ولا بد أن تكون الخطوة الأولى في أي استراتيجية فعالة إدراك حقيقة مفادها أنه لا يمكن لحكومة في اقتصاد ضخم ولا يمكن التنبؤ به كالاقتصاد الصيني أن تعتمد على الاستثمار المباشر أو سياسات الاقتصاد الكلي، بل يتعين عليها بدلا من هذا أن تنفذ الإصلاحات الكفيلة بتعزيز الإنتاجية والتعويض عن الضغوط التي تدفع النمو إلى الهبوط.

وتشكل الإصلاحات في أسواق عوامل الإنتاج، وهي العمل والأرض والتمويل، ضرورة أساسية. ويتعين على قادة الصين أن يعملوا على تحسين مرونة سوق العمل، وقدرة الأيدي العاملة على الانتقال من مهنة لأخرى، فضلا عن تحسين كفاءة استخدام الأراضي والاستحواذ عليها والتعويض عن نزعها، وبناء نظام مالي أكثر استنادا إلى معطيات السوق.

والواقع أن النظام المالي الصيني يظل خاضعا إلى درجة كبيرة من التنظيم وتهيمن عليه بنوك أغلبها مملوكة للدولة. ولكي تتبدل هذه الحال يتعين على بكين أن تشجع منح القروض بناء على واقع السوق، كما تحتاج الصين إلى قطاع مالي يتسم بالمرونة والكفاءة، وتدعمه سوق رأسمالية تتمتع بقدر كبير من الكفاءة في الإشراف والتنظيم، وذلك من أجل تجنب فقاعات الأصول ودعم الشركات المنتجة المبدعة.

النظام المالي الصيني يظل خاضعا لدرجة كبيرة من التنظيم وتهيمن عليه البنوك أغلبها مملوكة للدولة. ولكي تتبدل هذه الحال يتعين على بكين أن تشجع منح القروض بناء على واقع السوق، كما تحتاج الصين إلى قطاع مالي يتسم بالمرونة والكفاءة

وعلى نحو مماثل، من الممكن أن تساعد السياسات الرامية إلى تشجيع الإبداع التكنولوجي المستمر والتحديث الصناعي في زيادة الإنتاجية. ومن المؤكد أن التدابير التي تعمل على زيادة القدرات البحثية المحلية -عبر تعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية مثلا- قادرة على إذكاء الإبداع.

إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة
والحقيقة أن إصلاح قطاع المؤسسات المملوكة للدولة الضخم في الصين من شأنه الإسهام في تعزيز الإنتاجية. وتعد الإصلاحات المعلنة مؤخرا في هذا القطاع خطوة واعدة، فبعيدا عن تشجيع الملكية المختلطة التي تشتمل على رأسمال خاص، وتعزيز حوكمة الشركات، وتسهيل العمليات التجارية، تعد الإصلاحات بفتح قطاعات الطاقة والموارد والاتصالات أمام المستثمرين غير الحكوميين. ولا مفر من مواصلة هذه الجولة الجديدة من إصلاحات المؤسسات الحكومية بجدية تامة.

وتزداد أهمية هذه الجهود المبذولة لزيادة الإنتاجية بوضوح مع تحرك الصين نحو التحول من النمو القائم على الاستثمار والتصدير على نموذج أكثر استدامة يقوم على الاستهلاك المحلي والخدمات. ومن الممكن أن تؤدي إعادة توظيف الموارد من الصناعات التصديرية إلى الأنشطة الخدمية إلى انخفاض دائم في الإنتاجية.

وعلى نحو مماثل، ورغم أن السياسات التي تشجع الشركات على زيادة الأجور قد تزيد دخل الأسر ومعدلات الاستهلاك المحلي، من الممكن أن يؤدي رفع الأجور إلى تآكل القدرة التنافسية للصادرات وخنق تدفقات الاستثمار المباشر الأجنبي. ولأنه من غير المرجح أن تكون سياسات إعادة التوازن كافية وحدها لزيادة متوسط النمو بشكل كبير فإن تعزيز الإنتاجية يشكل عنصرا بالغ الأهمية لتحقيق الازدهار الطويل الأمد في الصين.

ويتمثل الجزء الأخير من اللغز بالنسبة للصين في الواقعية. ففي الوقت الحالي تحرص بكين على الحفاظ على معدل نمو مناسب يبلغ 7% سنويا، في حين تدفع باتجاه إعادة التوازن والإصلاح.

خطورة الاعتماد على حوافز قصيرة الأمد
ومكمن الخطر هنا هو أن السلطات ربما تعتمد على الحوافز القصيرة الأمد لتلبية أهداف النمو، إلى أن تبدأ تدابير الإصلاح في إحداث الأثر المرجو، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تفاقم سوء تخصيص الموارد ونقاط الضعف البنيوية.

ولأن مجموع ديون الصين بلغ 282% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي -متجاوزا بذلك حجم مديونية أميركا- فإن المزيد من الإقراض المتهور للحكومات المحلية والشركات الخاصة من قطاع الظل المصرفي قد جعل الاقتصاد رهينة للخطر المتزايد المتمثل في الأزمة المالية.

ولتجنب مثل هذه النتيجة، ينبغي على الصين أن تخفض نسبة النمو المستهدف إلى 6% في السنوات القادمة. وبهذه الطريقة يصبح بوسعها مواصلة الإصلاحات العميقة اللازمة لنقل الاقتصاد إلى مسار نمو طويل الأجل وأكثر توازنا واستدامة.
ـــــــــــــ
أستاذ الاقتصاد ومدير معهد البحوث الآسيوية في جامعة كوريا، وشغل منصب كبير مستشاري شؤون الاقتصاد الدولي لرئيس كوريا الجنوبية السابق لي ميونغ باك

المصدر : بروجيكت سينديكيت